فهرس الكتاب
الجاهليَّةِ، وأنَّ المسلِمَ قد يكونُ فيه شيءٌ مِن هذه الْخِصالِ الْمُسَمَّاةِ بجَاهِلِيَّةٍ ويَهودِيَّةٍ ونَصرانِيَّةٍ، ولا يُوجِبُ ذلك كُفْرَه ولا فِسْقَه. قالَه شيخُ الإسلامِ.
قولُه: (( والاسْتِسْقاءُ بالنُّجومِ ) )أي: نِسبةُ المطَرِ إلى النَّوْءِ وهو سُقوطُ النَّجْمِ. كما أَخْرَجَ الإمامُ أحمدُ وابنُ جَريرٍ عن جابِرٍ السوائيِّ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: (( أَخافُ عَلى أُمَّتي ثَلاثًا: اسْتِسْقَاءً بِالنُّجومِ، وَحَيْفَ السُّلْطانِ، وَتَكْذِيبًا بِالقَدَرِ ) ).
فإذا قالَ قائلُهم: مُطِرْنَا بنَجْمِ كذا أو بِنَوْءِ كذا فلا يَخْلُو: إمَّا أن يَعْتَقِدَ أنَّ له تَأْثيرًا في نزولِ الْمَطَرِ، فهذا شِرْكٌ وكُفْرٌ. وهو الذي يَعْتَقِدُه أهلُ الجاهليَّةِ كاعتقادِهم أنَّ دعاءَ الْمَيِّتِ والغائِبِ يَجْلُبُ لهم نَفْعًا، أو يَدْفَعُ عنهم ضَرًّا، أو أنه يَشْفَعُ بدُعائِهم إِيَّاهُ، فهذا هو الشِّرْكُ الذي بَعَثَ اللَّهُ رَسولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنَّهْيِ عنه وقِتالِ مَن فَعَلَه، كما قالَ تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ} [الأنفال:39] والفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وإمَّا أن يَقولَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا مَثَلًا، لكن مع اعتقادِه أنَّ الْمُؤثِّرَ هو اللَّهُ وَحْدَه. لكنه أَجْرَى العَادَةَ بوُجودِ الْمَطَرِ عندَ سُقوطِ ذلك النَّجْمِ، والصحيحُ: أنه يَحْرُمُ نِسبةُ ذلك إلى النجْمِ ولو على طَريقِ الْمَجَازِ، فقد صَرَّحَ ابنُ مُفْلِحٍ في الفروعِ، بأنه يَحْرُمُ قولُ: (( مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ) )وجَزَمَ في الإنصافِ بتَحريمِه، ولم يَذْكُرْ خِلافًا. وذلك أنَّ القائلَ لذلك نَسَبَ ما هو من فِعْلِ اللَّهِ تعالى الذي لا يَقْدِرُ عليه غيرُه إلى خَلْقٍ مُسَخَّرٍ، لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا قُدرةَ له على شيءٍ, فيكونُ ذلك شِرْكًا أَصْغَرَ. واللَّهُ أَعْلَمُ.
قولُه: (( والنِّياحةُ ) )أي: رَفْعُ الصوتِ بالنَّدْبِ على الْمَيِّتِ؛ لأنها تَسَخُّطٌ لقضاءِ اللَّهِ، وذلك يُنَافِي الصبرَ الواجبَ، وهي من الكبائرِ لشِدَّةِ الوَعيدِ والعُقوبةِ.
(8) قولُه: (( النائحةُ إِذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها ) )فيه تَنبيهٌ على أنَّ التوبةَ تُكَفِّرُ الذَّنْبَ وإن عَظُمَ، هذا مُجْمَعٌ عليه في الجُمْلَةِ، وتُكَفَّرُ أيضًا بالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ والْمَصائبِ، ودُعاءِ المسلمينَ بعضِهم لبعضٍ، وبالشَّفاعةِ بإِذْنِ اللَّهِ، وعَفْوِ اللَّهِ عمَّنْ شاءَ مِمَّنْ لا يُشْرِكُ به شيئًا. وفي الحديثِ عن ابنِ عُمرَ مَرفوعًا: (( إنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ تَوْبةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ ) )رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ وابنُ مَاجَةَ وابنُ حِبَّانَ.
قولُه: (( تُقامُ يوْمَ القِيامةِ وَعَلَيها سِرْبالٌ مِنْ قَطِرانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ ) )قالَ القُرطبيُّ: السِّرْبالُ واحدُ السَّرَابيلِ، وهي الثِّيابُ والقُمُصُ، يعني: أَنَّهُنَّ يُلَطَّخْنَ بالْقَطِرَانِ، فيكونُ لهن كالْقُمُصِ، حتى يكونَ اشتعالُ النارِ بأَجْسَادِهِنَّ أَعْظَمَ، ورَائِحَتُهُنَّ أَنْتَنَ، وأَلَمُهُنَّ بسَبَبِ الْجَرَبِ أَشَدَّ. ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ الْقَطِرَانَ هو النُّحَاسُ الْمُذَابُ.
(9) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَهُما عَنْ زَيْدِ بنِ خالدٍ قالَ: صَلَّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيلِ, فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ علَى الناسِ فقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ:(( قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وَكَذا فَذلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ ) ).
زيدُ بنُ خالدٍ الْجُهَنِيُّ صَحَابِيٌّ مَشهورٌ، ماتَ سَنَةَ ثَمانٍ وسِتِّينَ، وقِيلَ: غيرُ ذلك، وله خمسٌ وثَمانونَ سَنَةً.
قولُه: (( صَلَّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )أي: بِنَا، فاللامُ بمعنى الباءِ، قالَ الحافظُ: وفيه إطلاقُ ذلك مَجازًا. وإنما الصلاةُ للَّهِ.
قولُه: (( بِالحُدَيْبِيَةِ ) )بالْمُهْمَلَةِِ وتَخفيفِ يَائِها وتُثَقَّلُ.
قولُه: (( عَلَى إِثْرِ ) )بكَسْرِ الهمزةِ وسُكونِ الْمُثَلَّثَةِ على المشهورِ، وهو ما يَعْقُبُ الشيءَ.