فهرس الكتاب
ثلاثَ عشرةَ ليلةً مَنْزِلةً مع طُلوعِ الفَجْرِ، وتَطْلُعُ أُخرى مُقابِلَتَها ذلك الوَقْتَ من الْمَشْرِقِ، فتَنْقَضِي جَمِيعُها مع انقضاءِ السَّنَةِ. وكانت العَرَبُ تَزْعُمُ أنَّ مع سُقوطِ الْمَنْزِلَةِ وطُلوعِ رَقِيبِها يكونُ مَطَرٌ، ويَنْسِبونَه إليها، ويقولون: (( مُطِرْنَا بنَوْءِ كذا ) )وإنما سُمِّيَ نَوْءًا؛ لأنه إذا سَقَطَ الساقِطُ منها ناءَ الطالِعُ بالْمَشْرِقِ، أي: نَهَضَ وطَلَعَ.
(6) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وقولِ اللَّهِ تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة:82] روى الإمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ -وحَسَّنَه- وابنُ جَريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ والضِّياءُ في الْمُختارَةِ عن عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) يقولُ: شُكْرَكُمْ (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) يَقُولُونَ: (( مُطِرْنَا بنَوْءِ كَذا وكَذا، بِنَجمِ كَذا كَذا ) )وهذا أَوْلَى ما فُسِّرَتْ به الآيةُ، ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ وابنِ عَبَّاسٍ وقَتادةَ والضَّحَّاكِ وعَطاءٍ الْخُراسانيِّ وغيرِهم، وهو قولُ جُمهورِ الْمُفَسِّرينَ، وبه يَظْهَرُ وَجْهُ استدلالِ الْمُصنِّفِ بالآيةِ.
قالَ ابنُ الْقَيِّمِ: أي: وتَجْعَلُونَ حَظَّكُم من هذا الرِّزْقِ الذي به حَياتُكم التَّكْذِيبَ به، يَعْنِي القرآنَ. قالَ الحسَنُ: تَجعلونَ حَظَّكُمْ ونَصيبَكم من القُرآنِ أنكم تُكَذِّبُونَ، قالَ: وخَسِرَ عَبْدٌ لا يكونُ حَظُّه من القُرآنِ إلا التكذيبَ.
(7) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وعَنْ أَبي مالكٍ الأشعريِّ: أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( أَرْبَعٌ في أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجاهلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ وَالاسْتِسْقاءُ بِالنُّجومِ وَالنِّياحةُ ) ). وقالَ: (( النَّائِحَةُ إِذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامةِ وَعَلَيْها سِرْبالٌ مِنْ قَطِرانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ ) )رواهُ مُسلمٌ).
(( أبو مالِكٍ ) )اسمُه الحارثُ بنُ الحارِثِ الشاميُّ. صَحَابيٌّ تَفَرَّدَ عنه بالروايةِ أبو سَلَّامٍ، وفي الصحابةِ أبو مالِكٍ الأَشعريُّ اثنان غيرُ هذا.
قولُه: (( أَرْبَعٌ في أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجاهلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ ) )ستَفْعَلُها هذه الأُمَّةُ إما مع العِلْمِ بتحريمِها أو مع الْجَهْلِ بذلك، مع كونِها من أَهْلِ الجاهليَّةِ الْمَذمومةِ الْمَكروهةِ الْمُحَرَّمَةِ. والمرادُ بالجاهليَّةِ هنا ما قَبْلَ الْمَبْعَثِ، سُمُّوا بذلك لفَرْطِ جَهْلِهم، وكلُّ ما يُخالِفُ ما جاءَ به رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو جاهِلِيَّةٌ، فقد خالَفَهم رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كثيرٍ من أمورِهم أو أَكْثَرِها، وذلك يُدْرَكُ بتَدَبُّرِ القرآنِ ومَعرِفَةِ السُّنَّةِ.
قالَ شيخُ الإسلامِ: أَخْبَرَ أنَّ بعضَ أَمْرِ الجاهليَّةِ لا يَتْرُكُه الناسُ كلُّهم ذَمًّا لِمَنْ لم يَتْرُكْهُ، وهذا يَقْتَضِي أنَّ كلَّ ما كان مِن أَمْرِ الجاهليَّةِ وفِعْلِهم فهو مَذمومٌ في دِينِ الإسلامِ، وإلا لم يكنْ في إضافةِ هذه الْمُنْكَرَاتِ إلى الجاهليَّةِ ذمٌّ لها، ومَعلومٌ أنَّ إضافتَها إلى الجاهليَّةِ خَرَجَ مَخرَجَ الذَّمِّ، وهذا كقولِه تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33] فإنَّ في ذَلِكَ ذَمًّا للتَّبَرُّجِ وذمًّا لحالِ الجاهليَّةِ الأُولَى، وذلك يَقْتَضِي الْمَنْعَ من مُشَابَهَتِهم في الْجَمْلَةِ.
قولُه: (( الفَخْرُ بِالأَحْسابِ ) )أي: التعاظُمُ على الناسِ بالآباءِ ومَآثِرِهم، وذلك جَهْلٌ عظيمٌ؛ إذ لا كَرَمَ إلا بالتَّقْوَى، كما قالَ تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] وقالَ تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَن وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ:37] .
ولأبي داوُدَ عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا: (( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمُ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وفَخْرَها بِالآباءِ, إِنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ بنو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ ترابٍ، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخْرَهُم بِأَقْوامٍ إنَّما هُمْ فَحْمٌ من فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ ) )الحديثَ.
قولُه: (( والطَّعْنُ في الأنْسابِ ) )أي: الوُقوعُ فيها بالْعَيْبِ والتَّنَقُّصِ. وَلَمَّا عَيَّرَ أبو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا بأُمِّه قالَ له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فيكَ جاهِلِيَّةٌ ) )مُتَّفَقٌ عليه. فدَلَّ على أنَّ الطَّعْنَ في الأنسابِ من عَمَلِ