فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 339

وَهَذا مِنْ أَعْظَمِ ما يُبَيِّنُ معنى (( لا إِلهَ إلَّا اللَّهَ ) )فإنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التلفُّظَ بِها عَاصِمًا للدَّمِ والمالِ، بلْ ولا مَعْرِفَةَ معناها مَعَ لفْظِها، بَلْ ولا الإقرارَ بِذَلِكَ، بلْ ولا كَوْنَهُ لا يَدْعُو إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، بَلْ لا يَحْرُمُ مالُهُ ودَمُهُ حَتى يُضيفَ إلى ذلكَ الكُفْرَ بِمَا يَعْبد مِنْ دونِ اللَّهُ، فإنْ شَكّ أوْ تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُم مالُهُ و دَمُهُ، فيا لَهَا مِنْ مَسْألة، ما أَعْظَمَها وأَجلّها؟! ويا لَهُ مِنْ بَيانٍ ما أَوْضَحُهُ، وحُجّةٍ ما أقطعها للمُنازِع؟!

(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وشَهَادَةِ: أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) .

أَرَادَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى بهذه الترْجَمَةِ، وما جاءَ بعدَها مِن الآياتِ والحديثِ: أن يَزِيدَ هذا المقامَ بيانًا وإِيضاحًا، وإلَّا فقدْ تَقَدَّمَ في الآياتِ والأحاديثِ ما يُفَسِّرُ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وما دَلَّتْ عليهِ مِن التوحيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ والتَّنْدِيدِ.

قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: وقولُ اللَّهِ تعالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغِونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} . [الإسراء: 57] .

(1) [قُلْتُ: هَذَا مِنْ عَطْفِ الدَّالِّ عَلَى المَدْلُولِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ في أَوَّلِ الكِتَابِ مِن الْآيَاتِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِن التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، وسَابِقِهَا ولَاحِقِهَا. وكذلكَ مَا ذَكَرَهُ في الْأَبْوابِ بَعْدَهَا. فَمَا فَائِدَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ؟

قِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ المَذْكُورَاتُ في هَذَا البَابِ فِيهَا مَزِيدُ بَيَانٍ بِخُصُوصِهَا لِمَعْنَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ العِبَادَةِ. وفِيهَا الحُجَّةُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بالْأَنْبِيَاءِ والصَّالِحِينَ يَدْعُوهُم ويَسْأَلُهُم؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هوَ سَبَبُ نُزُولِ بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ، كالآيَةِ الْأُولَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الإسراء: 56] . أَكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ المَسِيحَ وأُمَّهَ، والعُزَيْرَ، والمَلَائِكَةَ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، كَمَا في الْآيَةِ مِن التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ. وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ دُعَاءَهُم مِنْ دُونِ اللَّهِ شِرْكٌ باللَّهِ يُنَافِي التَّوْحيدَ، ويُنَافِي شَهَادَةَ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فإِنَّ التَّوْحِيدَ أَنْ لَا يُدْعَى إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. وكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ نَفَتْ هَذَا الشِّرْكَ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَأَلِيهٌ وعِبَادَةٌ لَهُ. و (( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ) ).

وفي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ المَدْعُوَّ لَا يَمْلِكُ لِدَاعِيهِ كَشْفَ ضَرَرٍ، وَلَا تَحْوِيلَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَلَا مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، وَلَو كَانَ المَدْعُوُّ نَبِيًّا أوْ مَلَكًا. وهَذَا يُقَرِّرُ بُطْلَانَ دَعْوَةِ كُلِّ مَدْعُوٍّ مِنْ دونِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ تَخُونُ دَاعِيَهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ. وهَذِهِ الْآيَةُ تُقَرِّرُ التَّوْحِيدَ ومَعْنَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

(2) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} ، يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ والمُرْسَلِينَ وَمَنْ تَبِعَهُم مِن المُؤْمِنِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ والعَمَلِ بِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت