فهرس الكتاب
تَنْتَسِبُ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ في نَسَبِهَا ومَذْهَبِهَا: إِنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ وقَوْمِهِ في عِبَادَتِهِم الْأَوْثَانَ فَقَالَ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26 - 27] {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] أيْ: هذهِ الكَلِمَةُ؛ وهيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وخَلْعُ مَا سِوَاهُ مِن الْأَوْثَانِ، وهيَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، جَعَلَهَا في ذُرِّيَّتِهِ يَقْتَدِي بِهِ فِيهَا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أيْ: إِلَيْهَا.
قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، والضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُم، في قَوْلِهِ: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} يَعْنِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا يَزَالُ في ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُهَا.
ورَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} قَالَ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ رَبُّنَا، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزُّخْرُف: 87] ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ رَبِّهِ. ورَوَاهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ.
ورَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عنْ قَتَادَةَ: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} ، قَالَ: الْإِخْلَاصُ والتَّوْحِيدُ لَا يَزَالُ في ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ ويُوَحِّدُهُ.
قُلْتُ: فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) : تَوْحِيدُ اللَّهِ بإِخْلَاصِ العِبَادِ لهُ، والبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
قَالَ المُصَنِّفُ: (وذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ البَرَاءَةَ وهذهِ المُوَالَاةَ هيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) .
وفي هَذَا المَعنَى يَقُولُ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى في (الكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ) :
وإِذَا تَوَّلَاهُ امْرُؤٌ دُونَ الوَرَى * ... طُرًّا تَوَّلَاهُ العَظِيمُ الشَّأْنِ
قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: وَقَوْلِهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
الْأَحْبَارُ: هم العُلَمَاءُ، والرُّهْبَانُ: هم العُبَّادُ. وهذهِ الْآيَةُ قَد فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، وذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ مُسْلِمًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ:"قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّهُم لَمْ يَعْبُدوهُمْ؟! فَقَالَ: (( بَلَى! إِنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ وَحَلَّلُوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُمْ؛ فَذَلِكَ عِبادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ ) ). رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، والطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ."
قَالَ السُّدِّيُّ: اسْتَنْصَحُوا الرِّجَالَ وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِم؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، فَإِنَّ الحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدِّينَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ.
فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَطَاعَ غَيْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وَأَعْرَضَ عَن الْأَخْذِ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ؛ في تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَو تَحْريمِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وأَطَاعَهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واتَّبَعَهُ فِيمَا لَمْ يَأْذَن اللَّهُ، فَقَد اتَّخَذَهُ رَبًّا وَمَعْبُودًا، وجَعَلَهُ للَّهِ شَرِيكًا،