فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 339

وَذَلِكَ يُنَافِي التَّوْحِيدَ الَّذِي هوَ دِينُ اللَّهِ الذي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ؛ فإنَّ الْإِلَهَ هوَ المَعْبُودُ. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى طَاعَتَهُم عِبَادَةً لَهُم، وَسَمَّاهُم أَرْبَابًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} أيْ: شُرَكَاءَ للَّهِ تَعَالَى في العِبَادَةِ، {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمرانَ: 80] . فَكُلُّ مَعْبُودٍ رَبٌّ، وَكُلُّ مُطاعٍ وَمُتَّبَعٍ عَلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ فَقَد اتَّخَذَهُ المُطِيعُ رَبًّا ومَعْبُودًا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى في آيَةِ الْأَنْعَامِ: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] ، وَهَذَا هوَ وَجْهُ مُطَابَقَةِ الْآيَةِ للتَّرْجَمَةِ. وَيُشْبِهُ هَذِهِ الْآيَةَ في المَعْنَى قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشُّورَى: 21] ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ في مَعْنَى قَوْلِهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} : وهؤلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُم ورُهْبَانَهُم أَرْبابًا حَيْثُ أَطَاعُوهُم في تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُم بَدَّلُوا دِينَ اللَّهِ فَيَتَّبِعُونَهُم عَلَى التَّبْدِيلِ، فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؛ اتِّباعًا لرُؤَسَائِهِم، مَعَ عِلْمِهِم أَنَّهُم خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ، فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ شِرْكًا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُم ويَسْجُدُونَ لَهُم. فَكَانَ مَن اتَّبَعَ غَيْرَهُ في خِلَافِ الدِّينِ - مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافٌ للدِّينِ، واعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ - مُشْرِكًا مِثْلَ هؤلاءِ.

الثاني: أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُم وإِيمَانُهُم بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وتَحْلِيلِ الحَلَالِ ثَابِتًا، لَكِنَّهُم أَطَاعُوهُم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، كَمَا يَفْعَلُ المُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِن المَعَاصِي التي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ. فهؤلاءِ لَهُم حُكْمُ أَمْثَالِهِم مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ، كَمَا قَدْ ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) ).

ثُمَّ ذَلِكَ المُحَرِّمُ للحَلَالِ وَالمُحَلِّلُ للحَرَامِ إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، قَصْدُهُ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ، لَكِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الحَقُّ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَد اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَهَذَا لَا يُؤَاخِذُهُ بِخَطَئِهِ، بلْ يُثِيبُهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ الذي أَطَاعَ بِهِ رَبَّهُ. ولَكِنْ مَنْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا أَخْطَأَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ عَلَى خَطَئِهِ، وَعَدَلَ عنْ قَوْلِ الرَّسُولِ، فَهَذَا لَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الشِّرْكِ الذي ذَمَّهُ اللَّهُ، لَا سِيَّمَا إِن اتَّبَعَ في ذلكَ هَوَاهُ، ونَصَرَهُ باليَدِ واللِّسَانِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ للرَّسُولِ، فَهَذَا شِرْكٌ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ. ولِهَذَا اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ الحَقُّ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ في خِلَافِهِ، وإِنَّمَا تَنَازَعُوا في جَوَازِ التَّقْلِيدِ للقَادِرِ عَلَى الْاسْتِدْلَالِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عنْ إِظْهَارِ الحَقِّ الذي يَعَلَمُهُ. فَهَذَا يَكُونُ كَمَنْ عَرَفَ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ حَقٌّ وهوَ بَيْنَ النَّصَارَى، فَإِذَا فَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الحَقِّ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَجِزَ عنهُ. وهَؤُلَاءِ كالنَّجَاشِي وغَيْرِهِ. وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ في هؤلاءِ الآياتِ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت