فهرس الكتاب
أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [آل عمرانَ: 199] ، وقَوْلِهِ: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] ، وقَوْلِهِ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] . وَأَمَّا إنْ كَانَ المُتَّبِعُ للمُجْتَهِدِ عَاجِزًا عنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ عَلَى التَّفْصِيلِ وَقَدْ فَعَلَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِن الْاجْتِهَادِ في التَّقْلِيدِ، فَهَذَا لَا يُؤَاخَذُ إِنْ أَخْطَأَ كَمَا في القِبْلَةِ. وَأَمَّا إن قَلَّدَ شَخْصًا دونَ نَظِيرِهِ بِمُجَرَّدِ هَوَاهُ، ونَصَرَهُ بِيَدِهِ ولِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ أَنَّ مَعَهُ الحَقَّ، فَهَذَا مِنْ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ مَتْبُوعُهُ مُصِيبًا لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ صَالِحًا، وَإِنْ كَانَ مَتْبُوعُهُ مُخْطِئًا كَانَ آثِمًا، كَمَنْ قَالَ في القُرْآنِ بِرَأْيِهِ، فَإِنْ أَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ. وَهَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ مَانِعِ الزَّكَاةِ الذي تَقَدَّمَ فِيهِ الوَعِيدُ، وَمِنْ جِنْسِ عَبْدِ الدِّينَارِ والدِّرْهَمِ، والقَطِيفَةِ والخَمِيصَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمَّا أَحَبَّ المَالَ مَنَعَهُ عنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وطَاعَتِهِ، صَارَ عَبْدًا لهُ. وكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ فَيُكُونُ فِيهِ شِرْكٌ أَصْغَرُ، وَلَهُم مِن الوَعِيدِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَفِي الحَدِيثِ: (( إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ ) ). وَهَذَا مَبْسُوطٌ عن النُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا إِطْلَاقُ الكُفْرِ والشِّرْكِ عَلَى كَثِيرٍ مِن الذُّنُوبِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى في مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا} [فُصِّلتْ: 9] أيْ: وَتَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَ ذَلِكَ الأندادَ؛ وَهُم الْأَكْفَاءُ مِن الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُم في مَعَاصِي اللَّهِ، انْتَهَى.
قُلْتُ: كَمَا هوَ الوَاقِعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ عُبَّادِ القُبُورِ.
(6) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: وَقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ} [البقرة: 165] .
قَالَ العِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: يَذْكُرُ تعالَى حَالَ المُشْرِكِينَ بِهِ في الدُّنْيَا، وَمَآلَهُم في الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ حَيْثُ جَعَلُوا للَّهِ أَنْدَادًا؛ أَيْ: أَمْثَالًا ونُظَرَاءَ يَعْبُدُونَهُم مَعَهُ ويُحِبُّونَهُم كَحُبِّهِ، وهوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هوَ، وَلَا ضِدَّ لهُ، وَلَا نِدَّ لهُ، وَلَا شَرِيكَ مَعَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلقَكَ ) ).
وقَوْلُهُ: ( {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ) ، وَلِحُبِّهِم للَّهِ تَعَالَى، وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِم بِهِ، وتَوْقِيرِهِم وتَوْحِيدِهِم، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بلْ يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ ويَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، ويَلْجَؤُونَ في جَمِيعِ أُمُورِهِم إِلَيْهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى المُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِم بذلكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} . قَالَ بَعْضُهُم: تَقْدِيرُ الكَلَامِ: لوْ عَايَنُوا العَذَابَ لَعَلِمُوا حِينَئذٍ أَنَّ القُوَّةَ للَّهِ جَمِيعًا؛ أيْ: أَنَّ الحُكْمَ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ قَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ وسُلْطَانِهِ، {وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}