فهرس الكتاب
[الفجر: 25 - 26] . يَقُولُ: لَوْ عَلِمُوا مَا يُعَانُونَ هناكَ وَمَا يَحُلُّ بِهِم مِن الْأَمْرِ الفَظِيعِ المُنْكَرِ الهَائِلِ عَلَى شِرْكِهِم وكُفْرِهِم لَانْتَهَوْا عَمَّا هُم فِيهِ مِن الضَّلَالِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عنْ كُفْرِهِم بأوثانِهِم، وتَبَرُّؤِ المَتْبُوعِينَ مِن التَّابِعِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: 166] ، تَبَرَّأَتْ منهم المَلَائِكَةُ الذينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُم كانوا يَعْبُدُونَهُم في الدُّنْيَا، فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] ، ويَقُولُونَ: {سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] . والجِنُّ أَيْضًا يَتَبَرَّؤُونَ مِنْهُم ويَتَنَصَّلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِم لَهُم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5 - 6] ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
ورَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} : مُبَاهَاةً ومُضَاهَاةً للحَقِّ بالْأَنْدَادِ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} مِن الكُفَّارِ لِأَوْثَانِهِم.
قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (ومِن الْأُمُورِ المُبَيِّنَةِ لتَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، آيَةُ البَقَرَةِ في الكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِم: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] ، ذَكَرَ أَنَّهُم يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُم كَحُبِّ اللَّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم يُحِبُّونَ اللَّهَ حُبًّا عَظِيمًا فَلَمْ يُدْخِلْهُم في الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْبَرَ مِنْ حُبِّ اللَّهِ؟ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يُحِبَّ إِلَّا النِّدَّ وَحْدَهُ؟) انتهى.
ففي الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ في المَحَبَّةِ فَقَدْ جَعَلَهُ شَرِيكًا للَّهِ في العِبَادَةِ، واتَّخَذَهُ نِدًّا مِنْ دونِ اللَّهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هوَ الشِّرْكُ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى في أُولَئِكَ: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} ، وقَوْلِهِ: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} ، المُرَادُ بالظُّلْمِ هنا الشِّرْكُ، كَقَوْلِهِ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] كَمَا تَقَدَّمَ. فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَحْدَهُ، وأَحَبَّ فِيهِ وَلَهُ، فهوَ مُخْلِصٌ. وَمَنْ أَحَبَّهُ وَأَحَبَّ مَعَهُ غَيْرَهُ، فهوَ مُشْرِكٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَا مَعْنَاهُ: فَمَنْ رَغِبَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ في قَضَاءِ حَاجَةٍ أوْ تَفْرِيجِ كُرْبَةٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لهُ، ومَحَبَّتُهُ هيَ الْأَصْلُ في ذَلِكَ. انْتَهَى.
فكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) تَنْفِي كُلَّ شِرْكٍ في أيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ، وتُثْبِتُ العِبَادَةَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهَا للَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ الْإِلَهَ هوَ المَأْلُوهُ الذي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ بالْمَحَبَّةِ أوْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ. فَـ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) نَفَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وأَثْبَتَتْهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَهَذَا هوَ الذي دَلَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ مُطَابَقَةً. فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهَا، واعْتِقَادِهِ، وقَبُولِهِ، والعَمَلِ بِهِ باطِنًا وَظَاهِرًا، واللَّهُ أَعْلَمُ.