فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 339

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَتَوْحِيدُ المَحْبُوبِ أَنْ لَا يَتَعَدَّدَ مَحْبُوبُهُ؛ أيْ: مَعَ اللَّهِ تَعَالَى بعِبَادَتِهِ لهُ، وتَوْحِيدُ الحُبِّ: أَنْ لَا يَبْقَى في قَلْبِهِ بَقِيَّةُ حُبٍّ حَتَّى يَبْذُلَهَا لَهُ؛ فَهَذَا الحُبُّ - وَإِنْ سُمِّيَ عِشْقًا - فهوَ غَايَةُ صَلَاحِ العَبْدِ ونَعِيمِهِ وقُرَّةُ عَيْنِهِ، ولَيْسَ لِقَلْبِهِ صَلَاحٌ ولَا نَعِيمٌ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ مَحَبَّتُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُحِبُّ إِلَّا اللَّهَ، كَمَا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ) )الحَدِيثَ، وَمَحَبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هيَ مِنْ مَحَبَّتِهِ؛ وَمَحَبَّةُ المَرْءِ إِنْ كَانَتْ للَّهِ فهيَ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ مُنْقِصَةٌ لِمَحبَّةِ اللَّهِ مُضْعِفَةٌ لَهَا؛ ويُصَدِّقُ هذه المَحَبَّةَ بأَنْ تَكُونَ كَرَاهِيَتُهُ لِأَبْغَضِ الْأَشْيَاءِ إِلَى مَحْبُوبِهِ - وهوَ الكُفْرُ - بِمَنْزِلَةِ كَرَاهَتِهِ لإلْقَائِهِ في النَّارِ أوْ أَشَدَّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ المَحَبَّةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُقَدِّمُ عَلَى مَحَبَّةِ نَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِذَا قَدَّمَ مَحَبَّةَ الْإِيمَانِ باللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ - بِحَيْثُ لوْ خُيِّرَ بَيْنَ الكُفْرِ وَإِلْقَائِهِ في النَّارِ لاخْتَارَ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ وَلَا يَكْفُرُ - كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وهذه المَحَبَّةُ هيَ فَوْقَ مَا يَجِدُهُ العُشَّاقُ المُحِبُّونَ مِنْ مَحَبَّةِ مَحْبُوبِيهِم، بلْ لَا نَظِيرَ لِهَذِهِ المَحَبَّةِ. كَمَنْ لَا مِثْلَ لِمَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وهيَ مَحَبَّةٌ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ المَحْبُوبِ فيها عَلَى النَّفْسِ والمَالِ والوَلَدِ. وتَقْتَضِي كَمَالَ الذُّلِ والخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ والْإِجْلَالِ والطَّاعَةِ والْانْقِيَادِ ظَاهِرًا وبَاطِنًا. وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ في مَحَبَّةِ مَخْلُوقٍ، وَلَوْ كَانَ المَخْلُوقُ مَنْ كَانَ. وَلِهَذَا مَنْ شَرَكَ بَيْنَ اللَّهِ تعالَى وَبَيْنَ غَيْرِهِ في المَحَبَّةِ الخَاصَّةِ كَانَ مُشْرِكًا شِرْكًا لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} والصَّحِيحُ: أَنَّ مَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ الذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَادِ لِأَنْدَادِهِم. كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِم لَا يُمَاثِلُهَا مَحَبَّةُ مَخْلُوقٍ أَصْلًا، كَمَا لَا يُمَاثِلُ مَحْبُوبَهُم غَيْرُهُ، وَكُلُّ أَذًى في مَحَبَّةِ غَيْرِهِ فهوَ نَعِيمٌ في مَحَبَّتِهِ، وكُلُّ مَكْرُوهٍ في مَحَبَّةِ غَيْرِهِ فهوَ قُرَّةُ عَيْنٍ في مَحَبَّتِهِ. وَمَنْ ضَرَبَ بِمَحَبَّتِهِ الْأَمْثَالَ الَّتِي في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِ للمَخْلُوقِ: كالوَصْلِ، والهَجْرِ والتَّجَنِّي بِلَا سَبَبٍ مِن المُحِبِّ؛ وَأَمِثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، فهوَ مُخْطِئٌ أَقْبَحَ الخَطَأِ وأَفْحَشَهُ، وهوَ حَقِيقٌ بالْإِبْعَادِ والمَقْتِ. انْتَهَى.

(7) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: وفي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِما يُعْبَدُ مِنْ دونِ اللَّهِ، حَرُمَ مالُهُ وَدَمُهُ، وحِسابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) )قَوْلُهُ: (في الصَّحِيحِ) أيْ: صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ.

وأَبُو مَالِكٍ: اسْمُهُ سَعْدُ بنُ طَارِقٍ؛ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَاتَ في حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ ومِائَةٍ، وَأَبُوهُ طَارِقُ بنُ أَشْيَمَ - بالمُعْجَمَةِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَزْنُ أَحْمَرَ - ابنِ مَسْعودٍ الْأَشْجَعِيُّ، صَحَابِيٌّ لَهُ أَحَادِيثُ. قَالَ مُسْلِمٌ: لَمْ يَرْوِ عنه غَيْرُ ابْنِهِ. وفي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ للقَوْمِ: (( مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، وَكَفَرَ بِما يُعْبَدُ مِنْ دونِ اللَّهِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت