فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 339

حَرُمَ مالُهُ ودَمُهُ وحِسابُهُ عَلَى اللَّهِ عزَّ وجلَّ )) رَواهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بنِ هَارُونَ قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عنْ أَبِيهِ. وَرَواهُ الإمامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ إدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي، الحديثَ. ورِوَايَةُ الحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفْظِ يُفَسِّرُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) .

قَوْلُهُ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِما يُعْبَدُ مِنْ دونِ اللَّهِ ) )، اعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ عِصْمَةَ المَالِ والدَّمِ في هَذَا الحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ قَوْلُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عِن عِلْمٍ وَيَقِينٍ، كَمَا هوَ مُقَيَّدٌ في قَوْلِهَا في غَيْرِ مَا حَدِيثٍ كَمَا تَقَدَّمَ. والثَّانِي: الكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَلَمْ يَكْتَفِ باللَّفْظِ المُجَرَّدِ عن المَعْنَى، بلْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهَا والعَمَلِ بِهَا.

قُلْتُ: وفيهِ مَعْنَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] .

قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ ما يُبَيِّنُ مَعْنَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا للدَّمِ والمَالِ؛ بلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا، بلْ ولَا الْإِقْرَارَ بذلكَ، بلْ وَلَا كَوْنَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ ودَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ شَكَّ أوْ تَوَقَّفْ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ ودَمُهُ. فَيَا لَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَجَلَّهَا، وَيَا لَهُ مِنْ بَيَانٍ مَا أَوْضَحَهُ، وحُجَّةٍ مَا أَقْطَعَهَا للمُنازِعِ) ، انْتَهَى.

قُلْتُ: وَهَذَا هوَ الشَّرْطُ المُصَحِّحُ لِقَوْلِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهَا بدونِ هَذِهِ الخَمْسِ الَّتِي ذَكَرَهَا المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى أَصْلًا. قَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، وَقَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] أَمَرَ بِقِتَالِهِم حَتَّى يَتُوبُوا مِن الشِّرْكِ ويُخْلِصُوا أَعْمَالَهُم للَّهِ تَعَالَى؛ ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِنْ أَبَوْا عنْ ذلكَ أوْ بَعْضِهِ قُوتِلُوا إِجْمَاعًا.

وذَكَرَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى في تَفْسيرِ قَوْلِهِ تعالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} ، فقَالَ: قالَ الحافِظُ أبو بكرٍ البَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بنُ أحمدَ - وَسَاقَ بسَنَدِهِ -، عنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} ، قَالَ: (( مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ) ). الحديثَ.

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنوا بي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ؛ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) )، وفي الصَّحِيحَيْنِ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهدُوا أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَموالَهُم إِلَّا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ ) )، وهَذَانِ الحَدِيثَانِ تَفْسِيرُ الْآيَتَيْنِ: آيَةِ الْأَنْفَالِ، وآيَةِ (بَرَاءَةٌ) . وقَدْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت