فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 339

أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ مَعْنَاهَا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهَا، أَنَّهُ يُقَاتَلُ حَتَّى يَعْمَلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن النَّفْيِ والْإِثْبَاتِ.

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى في قَوْلِهِ (( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ): مَعْلُومٌ أَنَّ المُرَادَ بِهَذَا أَهْلُ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ دونَ أَهْلِ الكِتَابِ؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ثُمَّ يُقَاتَلُونَ وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُم السَّيْفُ.

وقَالَ القَاضِي عِياضٌ: اخْتِصَاصُ عِصْمَةِ المَالِ والنَّفْسِ بِمَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) تَعْبِيرٌ عَن الْإِجَابَةِ إلى الْإِيمَانِ، وأَنَّ المُرَادَ بذلكَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأَهْلُ الْأَوْثَانِ، فَأَمَّا غَيْرُهُم مِمَّنْ يُقِرُّ بالتَّوْحِيدِ، فَلَا يُكْتَفَى في عِصْمَتِهِ بِقَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِذا كان يَقُولُهَا في كُفْرِهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا بُدَّ مَعَ هَذَا مِن الْإِيمَانِ بِجَمِيعِ ما جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا جَاءَ في الرِّوايَةِ: (( وَيُؤْمِنوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ ) ).

وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، لَمَّا سُئِلَ عنْ قِتَالِ التَّتَارِ فَقَالَ: كُلُّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عن الْتِزَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ منْ هؤلاء القَوْمِ أوْ غَيْرِهم؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُم حَتَّى يَلْتَزِمُوا شَرَائِعَهُ، وإِنْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ نَاطِقِينَ بالشَّهَادَتَيْنِ ومُلْتَزِمِينَ بَعْضَ شَرَائِعِهِ. كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ والصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم مَانِعِي الزَّكَاةِ. وعَلَى هَذَا اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ بَعْدَهُم. قَالَ: فَأَيُّمَا طَائِفَةٍ امْتَنَعَتْ عنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَاتِ، أو الصِّيامِ؛ أو الحَجِّ، أوْ عن الْتِزَامِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، أو الْأَمْوالِ، أو الخَمْرِ، أو المَيْسِرِ، أوْ نِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِمِ، أوْ عن الْتِزَامِ جِهَادِ الكُفَّارِ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْتِزَامِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ ومُحَرَّمَاتِهِ التي لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ في جُحُودِهَا أوْ تَرْكِهَا، التي يَكْفُرُ الوَاحِدُ بِجُحُودِهَا؛ فَإِنَّ الطَّائِفَةَ المُمْتَنِعَةَ تُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةً بِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ العُلَمَاءِ. قَالَ: وهؤلاء عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لَيْسُوا بُغَاةً، بلْ هُمْ خَارِجُونَ عن الْإِسْلَامِ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (وَحِسابُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى هوَ الذي يَتَوَلَّى حِسَابَهُ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا جَازَاهُ بِجِنَّاتِ النَّعِيمِ، وإِنْ كَانَ مُنَافِقًا عَذَّبَهُ العَذَابَ الْأَلِيمَ. وَأَمَّا في الدُّنْيا فالحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ، فَمَنْ أَتَى بالتَّوْحِيدِ ولَمْ يَأْتِ بِمَا يُنَافِيهِ ظَاهِرًا، والْتَزَمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَجَبَ الكَفُّ عنه.

قُلْتُ: وَأَفَادَ الحَدِيثُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَلَا يَكْفُرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دونِ اللَّهِ، ولَمْ يَأْتِ بِمَا يَعْصِمُ دَمَهُ ومَالَهُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ والْأَحَادِيثُ.

قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِن الْأَبْوابِ) ، قُلْتُ: وذَلِكَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا مِن الْأَبْوابِ فيهِ مَا يُبَيِّنُ التَّوْحِيدَ ويُوَضِّحُ مَعْنَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وفيهِ أَيْضًا بَيَانُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت