فهرس الكتاب
قولُه: (عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ، وَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ ثَلاثَ سِنِينَ وَمَاتَ قَرِيبًا مِن السِّتِّينَ.
قولُه: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً) أي: عَلَّقَها مُتَعَلِّقًا بها قَلْبُهُ في طَلَبِ خَيْرٍ أو دَفْعِ شَرٍّ، قَالَ المُنْذِرِيُّ: خَرَزَةٌ كانوا يُعَلِّقُونها يَرَوْنَ أَنَّها تَدْفَعُ عَنْهُم الآفاتِ، وهذا جَهْلٌ وضَلَالَةٌ؛ إذ لا مَانِعَ ولا دَافِعَ غيرُ اللهِ تعالى.
وقَال أَبو السَّعَادَاتِ: التَّمَائِمُ جَمْعُ تَمِيمَةٍ وهي خَرَزَاتٌ كَانَت العَرَبُ تُعَلِّقُها عَلَى أَوْلادِهِم يَتَّقُون بِهَا الْعَيْنَ، في زَعْمِهِم، فَأَبْطَلَه الإِسْلَامُ.
قولُه: (فَلا أَتَمَّ اللهُ لَهُ) دُعَاءٌ عليه.
قولُه: (ومَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً) بفَتْحِ الوَاوِ وسُكُونِ المُهْمَلَةِ. قَالَ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ: الوَدْعُ شَيْءٌ يُخْرَجُ مِن البَحْرِ يُشْبِهُ الصَّدَفَ يَتَّقُونَ بِه العَيْنَ.
قولُه: (فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ) بتَخْفِيفِ الدَّالِ. أي: لا جَعَلَه في دَعَةٍ وسُكُونٍ. قالَ أبو السَّعَادَاتِ: وهذا دُعَاءٌ عَلَيْهِ.
قولُه: (وفي رِوَايَةٍ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أشْرَكَ) قالَ أبو السَّعَادَاتِ: إِنَّمَا جَعَلَهَا شِرْكًا؛ لأَنَّهُم أَرَادُوا دَفْعَ المَقَادِيرِ المَكْتُوبَةِ عليهم، وطَلَبُوا دَفْعَ الأَذَى مِن غَيْرِ اللهِ الذي هو دَافِعُهُ.
(4) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ (ولابنِ أَبِي حَاتِمٍ عن حُذَيْفَةَ (أنَّهُ رَأَى رَجُلًا في يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى، فَقَطعَهُ، وتَلا قولَه: {ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يُوسُف:106] .
قالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ إِبراهيمَ بنِ أَشْكَابٍ, حَدَّثَنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عن عُرْوَةَ, قَالَ: دَخَلَ حُذَيْفَةُ على مَرِيضٍ، فَرَأَى في عَضُدِهِ سَيْرًا فَقَطَعَه أو انْتَزَعَه، ثم قالَ: (ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) .
وابنُ أبي حَاتِمٍ هو الإِمامُ أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرحمنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ, مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ التَّمِيمِيُّ الحَنْظَلِيُّ الحَافِظُ، صَاحِبُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ , والتَّفْسِيرِ وغَيْرِهِمَا, مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وعِشرين وثَلاثِمِائَةٍ.
وحُذَيْفَةُ هو ابنُ اليَمَانِ، واسْمُ اليَمَانِ: حُسَيْلٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا، ويُقَالُ: حِسْلٌ -بكَسْرٍ ثم سُكُونٍ- العَبْسِيُّ بالموَحَّدَةِ، حَلِيفُ الأَنْصَارِ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مِن السابقين، ويُقالُ له: صَاحِبُ السِّرِّ, وأبوه أَيْضًا صَحَابِيٌّ، مَاتَ حُذَيْفَةُ في أَوَّلِ خِلافَةِ عَلِيٍّ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثين.
قولُه: (رأَى رَجُلًا في يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى) أي: عن الحُمَّى، وكانَ الجُهَّالُ يُعَلِّقُون التَّمَائِمَ والخُيُوطَ ونحوَهما لِدَفْعِ الحُمَّى. ورَوَى وَكِيعٌ عَن حُذَيْفَةَ (( أَنَّهُ دَخَلَ علَى مَريضٍ يَعودُهُ فَلَمَسَ عَضُدَهُ، فإذا فيهِ خَيْطٌ، فقالَ ما هذا؟ قالَ: شَيْءٌ رُقِيَ لِي فيهِ. فقطَعَهُ وقالَ: لَوْ مِتَّ وَهُوَ عَلَيْكَ ما صَلَّيتُ عَلَيْكَ ) ).وفيه إنْكَارُ مِثْلِ هذا، وإن كانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَبَبٌ؛ فالأسْبَابُ لا يَجُوزُ مِنْها إِلَّا ما أبَاحَه اللهُ تعالى ورسولُهُ مَعَ عَدَمِ الاعْتِمَادِ عَليْهَا، وأمَّا التَّمَائِمُ والخُيُوطُ والحُرُوزُ والطَّلَاسِمُ ونحوُ ذلك ممَّا يُعَلِّقُه الجُهَّالُ فهو شِرْكٌ يَجِبُ إِنْكَارُه وإِزَالَتُهُ بالْقَوْلِ والفِعْلِ, وإن لم يَأْذَنْ فيه صَاحِبُهُ.
قولُه: (وَتَلا قَوْلَه:(ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) ) اسْتَدَلَّ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بالآيَةِ على أنَّ هذا شِرْكٌ. ففيه صِحَّةُ الاسْتِدْلَالِ على الشِّرْكِ الأَصْغَرِ بما أَنْزَلَه اللهُ في الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، لِشُمُولِ الآيَةِ ودُخُولِه في مُسَمَّى الشِّرْكِ, وتَقَدَّمَ مَعْنَى هذه الآيَةِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وغيرِه. واللهُ أعْلَمُ. وفي هذه الآثارِ عن الصَّحَابَةِ ما يُبَيِّنُ كَمَالَ عِلْمِهم بالتوحِيدِ ومَا يُنَافِيه أو يُنَافِي كَمَالَه.