فهرس الكتاب
يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًَا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الَّرحِيمُ [يُونُس:106 - 107] ونظائِرُها في القرآنِ أَكْثرُ مِن أنْ تُحْصَرَ.
قولُه: (والتِّوَلَةَ شِرْكٌ) قَالَ المُصَنِّفُ: (هي شَيْءٌ يَصْنَعُونَه يَزْعُمُون أَنَّهُ يُحَبِّبُ المرأةَ إلى زَوْجِها والرَّجُلَ إلى امْرَأتِهِ) وبهذا فَسَّرَه ابنُ مَسْعُودٍ راوي الحديثِ, كما في صحيحِ ابنِ حِبَّانَ والحاكِمِ, قالوا: يا أبا عبدِ الرَّحْمَنِ، هذه الرُّقى والتَّمَائِمُ قد عَرَفْنَاهَا، فما التِّوَلَةُ؟ قال: شيءٌ يَصْنَعُهُ النساءُ يَتَحَبَّبْنَ به إلى أَزْوَاجِهِنَّ؟
قالَ الحافِظُ: التِّوَلَةُ -بكَسْرِ المُثَنَّاةِ وفَتْحِ الواوِ واللامِ مُخَفَّفًا - شيءٌ كانَت المرأةُ تَجْلُبُ به مَحَبَّةَ زَوْجِهَا، وهو ضَرْبٌ مِن السِّحْرِ. واللهُ أعلَمُ.
وكانَ من الشِّرْكِ لما يُرادُ بِهِ مِن دَفْعِ المَضَارِّ وجَلْبِ المَنَافِعِ مِن غيرِ اللهِ تعالى.
قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وعن عَبْدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ مَرْفُوعًا:(( مَنْ تَعلَّق شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ ) )رَوَاه أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ) وَرَوَاه أبو داودَ والحاكِمُ. وعبدُ اللهِ بنُ عُكَيْمٍ هو بِضَمِّ المُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا؛ ويُكَنَّى أبَا مَعْبَدٍ الجُهَنِيَّ الكُوفِيَّ. قالَ البُخَارِيُّ: أَدْرَكَ زَمَنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يُعْرَفُ له سَمَاعٌ صَحِيحٌ، وكذا قالَ أبو حَاتِمٍ. قالَ الخَطِيبُ: سَكَنَ الكُوفَةَ وقَدِمَ المَدَائِنَ في حَيَاةِ حُذَيْفَةَ وكانَ ثِقَةً، وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ عن غَيْرِهِ أَنَّهُ مَاتَ في وِلَايَةِ الحَجَّاجِ.
قولُه: (مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ) التَّعَلُّقُ يكونُ بالقَلْبِ، ويكونُ بالفِعْلِ، ويكونُ بهما, أي: وَكَلَه اللهُ إلى ذلك الشَّيْءِ الذي تَعَلَّقَه، فمَن تَعَلَّقَ باللهِ وأنْزَلَ حَوائِجَه بِهِ والْتَجَأَ إليه، وفَوَّضَ أَمْرَه إليه، كفاه وقَرَّبَ إليه كُلَّ بعيدٍ ويَسَّرَ له كُلَّ عَسِيرٍ، ومَنْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِه أو سَكَنَ إلى رَأْيِهِ وعَقْلِهِ ودَوَائِهِ وتَمَائِمِهِ ونحوِ ذلك, وَكَّلَه اللهُ إلى ذلك وخَذَلَه، وهذا مَعْرُوفٌ بالنصوصِ والتَّجَارِبِ. قالَ اللهُ تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطَّلاق:3] .
قالَ الإِمامُ أحمدُ: حَدَّثَنا هِشَامُ بنُ القَاسِمِ, حَدَّثَنا أَبو سَعِيدٍ المُؤَدِّبُ, حَدَّثَنَا مَن سَمِعَ عَطَاءً الخُرَاسَانِيَّ قالَ: لَقِيتُ وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ وهو يَطُوفُ بالبيتِ فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي حَدِيثًا أَحْفَظُه عنك في مَقَامِي هذا, وَأَوْجِزْ. قال: نَعَمْ, أَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلى دَاودَ: (( يَا دَاودُ, أَمَا وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بي عَبْدٌ مِن عِبادِي دُونَ خَلْقِي، أَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ، فَتَكِيدُه السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ ومَنْ فِيهِنَّ والأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ إِلَّا جَعَلْتُ لَه مِن بَيْنِهِنَّ مَخْرَجًا. أَمَا وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي لَا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِن عِبَادِي بِمَخْلُوقٍ دُونِي، أَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ، إِلَّا قَطَعْتُ أَسْبَابَ السَّمَاءِ مِنْ يَدِهِ وَأَسَخْتُ الأَرْضَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ ثُمَّ لَا أُبَالِي بَأَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) ).
(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وَرَوَى الإِمَامُ أحمدُ عن رُوَيْفِعٍٍ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ:(( يا رُوَيفِعُ, لَعَلَّ الحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوِ اسْتَنْجَى بِرجِيعِ دَابَّةٍ أَو عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ ) )).
الحديثُ رَوَاه الإِمَامُ أحمدُ عن يَحْيَى بنِ إِسْحَاقَ والحَسَنِ بنِ مُوسَى الأَشْيَبِ, كِلاهما عن ابنِ لَهِيعَةَ. وفيه قِصَّةٌ اخْتَصَرَهَا المُصَنِّفُ. وهذا لَفْظُ الحَسَنِ: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ, حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بنُ عَبَّاسٍ, عن شُيَيْمِ بنِ بَيْتَانَ, قالَ: حَدَّثَنا رُوَيْفِعُ بنُ ثَابِتٍ قالَ: (( كَانَ أَحَدُنا في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأْخُذُ جَمَلَ أَخِيهِ علَى أَنْ يُعْطِيَهِ النِّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ وَلَهُ النِّصْفُ، حَتَّى إنَّ أحَدَنَا لَيَصِيرُ لَهُ النَّصْلُ وَالرِّيشُ وَلِلآخَرِ القَدَحُ. ثُمَّ قاَلَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )الحديثَ. ثُمَّ رَوَاه أحمدُ عَن يَحْيَى بنِ غَيْلَانَ, حَدَّثَنِي المُفَضَّلُ, حَدَّثَنا عيَّاشُ بنُ عبَّاسٍ, أنَّ شُيَيْمَ بنَ بَيْتَانَ, أَخْبَرَه أَنَّهُ سَمِعَ شَيْبَانَ القِتْبانِيَّ، الحديثَ.
ابنُ لَهِيعَةَ فيه مَقَالٌ, وفي الإِسْنَادِ الثاني شَيْبَانُ القِتْبَانِيُّ، قيلَ فيه: مَجْهُولٌ. وبَقِيَّةُ رِجَالِهِمَا ثِقَاتٌ.