فهرس الكتاب
قولُه: (لَعَلَّ الحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ) . فيه عَلَمٌ مِن أَعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فإنَّ رُوَيْفِعًا طالَت حَياتُهُ إلى سَنَةِ سِتٍّ وخَمْسين فَمَاتَ بِبُرْقَةَ مِن أَعْمَالِ مِصْرَ أَمِيرًا عليها، وهو من الأنْصَارِ. وقيلَ: ماتَ سَنَةَ ثَلاثٍ وخَمْسين.
قولُه: (فَأخْبِر النَّاسَ) . دليلٌ على وُجُوبِ إِخْبَارِ الناسِ، وليسَ هذا مُخْتَصًّا برُوَيْفِعٍ، بل كلُّ مَن كانَ عِندَه عِلْمٌ لَيْسَ عندَ غيرِه ممَّا يَحْتَاجُ إليه الناسُ وَجَبَ إِعْلامُهُم بِهِ، فإن اشْتَرَكَ هو وغيرُه في عِلْمِ ذلك فالتبْلِيغُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. قالَه أَبُو زُرْعَةَ في شَرْحِ سُنَنِ أبي داودَ.
قولُه: (أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ) بكسْرِ اللامِ لا غيرُ؛ والجَمْعُ لِحًى بالكسْرِ والضَّمِّ, قالَه الجَوْهَرِيُّ.
قالَ الخَطَّابِيُّ: أما نَهْيُه عن عَقْدِ اللِّحْيَةِ فيُفَسَّرُ على وجهيْن.
أَحَدِهما: ما كانوا يَفْعَلُونه في الحَرْبِ، كانوا يَعْقِدُون لِحَاهم؛ وذلك مِن زِيِّ بعضِ الأعاجِمِ يَفْتِلُونها ويَعْقِدُونها. قال أبو السَّعَاداتِ: تَكَبُّرًا وعُجْبًا،
ثانيهِمَا: أنَّ معناه مُعَالَجَةُ الشَّعْرِ لِيَتَعَقَّدَ ويَتَجَعَّدَ، وذلك مِن فِعْلِ أهلِ التأنيثِ, قالَ أبو زُرْعَةَ بنُ العِرَاقِيِّ: والأَوْلَى حَمْلُه على عَقْدِ اللِّحْيَةِ في الصلاةِ، كما دلَّتْ عليه رِوَايَةُ محمَّدِ بنِ الربيعِ. وفيه: أنَّ مَن عَقَدَ لِحْيَتَه في الصلاةِ.
قلتُ: وهذه الروايَةُ لا تَدُلُّ على تَخْصيصِهِ في الصلاةِ , بل تَدُلُّ على أنَّ فِعْلَه في الصلاةِ أشَدُّ مِن فِعْلِهِ خَارِجَهَا.
قولُه: (أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا) أي: جَعَلَه قِلادَةً في عُنُقِهِ أو عُنُقِ دَابَّتِهِ. وفي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ الرَّبِيعِ: (( أَوْ تَقَلّدَ وَتَرًا -يُرِيدُ تَمِيمَةً ) ).
فإِذا كانَ هذا فيمَن تَقَلَّدَ وَتَرًا فكيف بِمَن تَعَلَّقَ بالأمواتِ وسأَلَهم قَضَاءَ الحاجاتِ وتَفْرِيجَ الكُرُبَاتِ، وما يَتَرَتَّبُ على ذلك مِن العبادَةِ التي لا يَسْتَحِقُّهَا إلا ربُّ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ, الذي جاءَ النهيُ عنه وتَغْلِيظُهُ في الآياتِ المُحْكَمَاتِ؟
قولُه: (أوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ) قالَ النَّوَوِيُّ: أي: بَرِيءٌ مِن فِعْلِهِ، وهذا خِلافُ الظَّاهِرِ. والنوويُّ كَثِيرًا ما يَتَأَوَّلُ الأحادِيثَ بِصَرْفِهَا عن ظاهِرِهَا فيَغْفِرُ اللهُ تعالى لَه, بل هو بَرِيءٌ مِن الفاعِلِ وفِعْلِهِ.
وفي صحيحِ مُسْلِمٍ عن ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مرفوعًا: (( لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلاَ العِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زادُ إِخوانِكُم مِنَ الجِنِّ ) )وَعلَيْهِ لا يُجْزِئُ الاسْتِنْجَاءُ بهما كما هو ظاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ، لمَا رَوَى ابنُ خُزَيْمَةَ والدَّارَقُطْنِيُّ, عن أبي هُرَيْرَةَ, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لاَ يُطَهِّرَانِ ) ).
(4) قولُه: (وعن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قالَ:(( مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِن إِنْسَانٍ كانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ ) )رواه وَكِيعٌ) هذا عندَ أهلِ العِلْمِ له حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لأنَّ مثلَ ذلك لا يُقالُ بالرأيِ, ويكونُ هذا مُرْسَلًا؛ لأنَّ سَعِيدًا تَابِعِيٌّ. وفيه فَضْلُ قَطْعِ التَّمَائِمِ؛ لأنها شِرْكٌ. ووكِيعٌ هو ابنُ الجَرَّاحِ بنِ وَكِيعٍ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ إِمَامٌ، صاحِبُ تَصَانِيفَ مِنها الجامِعُ وغيرُه. رَوَى عنه الإمامُ أحمدُ وطَبَقَتُه. ماتَ سَنَةَ سَبْعٍ وتِسْعِين ومِائَةٍ.
(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (ولَه عن إبراهيمَ قالَ: كانوا يَكْرَهُون التَّمَائِمَ كُلَّها مِن القرآنِ وغيرِ القرآنِ) . إبراهيمُ هو الإِمَامُ إبراهيمُ بنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ الكُوفِيُّ، يُكَنَّى أبا عِمْرَانَ, ثِقَةٌ من كِبَارِ الفُقَهَاءِ. قال المِزِّيُّ: دَخَلَ على عائِشَةَ، ولم يَثْبُتْ له سماعٌ منها. ماتَ سَنَةَ سِتٍّ وتِسْعِين، وله خَمْسُون سَنَةً أو نحوَها.
قولُه: (كانوا يَكْرَهُون التَّمَائِمَ ... ) إلى آخِرِه، مُرَادُه بذلك أصْحَابُ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، كعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ وأبي وائِلٍ والحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ومَسْرُوقٍ والرَّبِيعِ بن خُثَيْمٍ، وسُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ وغيرِهِم، وهم مِن ساداتِ التابعين, وهذه الصِّيغَةُ يَسْتَعْمِلُها إبراهيمُ في حِكَايَةِ أقوالِهِم كما بيَّنَ ذلك الحُفَّاظُ كالعِرَاقِيِّ وغيرِه.