فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 339

قال الحافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ إِسْماعِيلَ الشَّافِعِيُّ المَعْروفُ بأَبِي شَامَةَ في كِتابِ البِدَعِ والحَوَادِثِ: ومِن هذا القِسْمِ أيضًا ما قد عَمَّ الابْتِلاءُ به مِن تَزْيِينِ الشَّيطانِ للعامَّةِ تَخْلِيقَ الحِيطانِ والعُمُدِ، وسْرجَ مَواضِعَ مَخْصُوصةٍ في كُلِّ بَلَدٍ، يَحْكِي لهم حَاكٍ: أَنَّهُ رَأَى في مَنامِه بها أَحَدًا ممَّن شُهِرَ بالصَّلاحِ والوِلايةِ، فيَفْعَلُون ذلك، ويُحافِظُون عليه مع تَضْيِيعِهم فَرائِضَ اللهِ تَعالى وسُنَنَهُ، ويَظُنُّون أَنَّهُم مُتَقَرِّبُون بذلك، ثُمَّ يَتَجاوَزُون هذا إلى أن يَعْظُمَ وَقْعُ تلك الأَمَاكِنِ في قُلُوبِهم فيُعَظِّمُونَها، ويَرْجُون الشِّفاءَ لمَرْضاهُم، وقَضاءَ حَوائِجِهم بالنَّذْرِ لها، وهي مِن عُيونٍ وشَجَرٍ وحائِطٍ وحَجَرٍ. وفي مدينةِ دِمَشْقَ مِن ذلك مَواضِعُ مُتَعَدِّدَةٌ؛ كعُوَيْنَةِ الحُمَّى خارِجَ بابِ تُومَا، والعَمُودِ المُخَلَّقِ داخِلَ بابِ الصَّغِيرِ، والشَّجَرَةِ المَلْعُونةِ خارِجَ بابِ النَّصْرِ في نَفْسِ قارِعةِ الطَّرِيقِ، سَهَّلَ اللهُ قَطْعَها واجْتِثاثَها مِن أَصْلِها، فما أَشْبَهَها بِذاتِ أَنْواطٍ الوَارِدةِ في الحديثِ. انْتَهَى.

وذَكَر ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللهُ تعالى، نحوَ ما ذَكَرَه أَبُو شَامَةَ، ثُمَّ قال: فما أَسْرَعَ أهلَ الشِّركِ إلى اتِّخاذِ الأَوْثانِ مِن دُونِ اللهِ، ولو كانت ما كانت، ويَقولون: إنَّ هذا الحجَرَ وهذه الشَّجَرةَ وهذه العَيْنَ تَقْبَلُ النَّذْرَ؛ أي: تَقْبَلُ العِبادةَ مِن دُونِ اللِه؛ فإنَّ النَّذْرَ عِبادةٌ وقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُ بها النَّاذِرُ إلى المَنْذُورِ له، وسَيَأْتِي ما يَتَعَلَّقُ بهذا البَابِ عندَ قولِه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْري وَثَنًا يُعْبَدُ ) ).

وفي هذه الجُمْلةِ مِن الفَوَائِدِ: أنَّ ما يَفْعَلُه مَنْ يَعْتَقِدُ في الأَشْجارِ والقُبورِ والأَحْجَارِ؛ مِن التَّبَرُّكِ بها، والعُكُوفِ عندَها، والذَّبْحِ لها، هو الشِّركُ، ولا يُغْتَرُّ بالعَوَامِّ والطَّغامِ، ولا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ الشِّركِ باللهِ تعالى يَقَعُ في هذه الأُمَّةِ. فإذا كان بَعْضُ الصَّحابةِ ظَنُّوا ذلك حَسَنًا، وطَلَبُوه مِن النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتَّى بَيَّنَ لهم أنَّ ذلك كَقَوْلِ بَنِي إِسْرائِيلَ: {اجْعَلْ لَّنَا إِلَهًا} [الأعراف:138] . فكيف لا يَخْفَى على مَن هو دونهَم في العِلمِ والفَضْلِ بأَضْعافٍ مُضاعَفةٍ مع غَلَبَةِ الجَهْلِ وبُعْدِ العَهْدِ بآثارِ النُّبوَّةِ؟! بل خَفِيَ عليهم عَظَائِمُ الشِّركِ في الإلهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ، فَأَكْبَرُوا فِعْلَهُ واتَّخَذُوه قُرْبَةً.

ومنها: أنَّ الاعْتِبارَ في الأَحْكامِ بالمَعانِي لا بالأَسْماءِ، ولهذا جَعَلَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، طَلَبَهُم كطَلَبِ بَنِي إِسْرائِيلَ، ولم يَلْتَفِتْ إلى كَوْنِهم سَمَّوها ذاتَ أَنْواطٍ. فالمُشْرِكُ مُشْرِكٌ، وإنْ سَمَّى شِرْكَه ما سَمَّاه, كمَن يُسَمِّي دُعاءَ الأَمْواتِ والذَّبْحَ لهم والنَّذْرَ ونحوَ ذلك تَعْظِيمًا ومَحَبَّةً، فإنَّ ذلك هو الشِّرْكُ؛ وإنْ سَمَّاه ما سَمَّاه. وقِسْ على ذلك.

قولُه: (لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) . بضَمِّ المُوَحَّدةِ وضَمِّ السِّينِ، أي: طُرُقَهم ومَنَاهِجَهم، وقد يَجوزُ فَتْحُ السِّينِ على الإِفْرادِ، أي: طَرِيقَهم وهذا خَبَرٌ صَحِيحٌ. والواقِعُ مِن كثيرٍ مِن هذه الأُمَّةِ يَشْهَدُ له.

وفيه عَلَمٌ مِن أَعْلامِ النُّبوَّةِ، مِن حيث إنَّه وَقَع كَمَا أَخْبَرَ, صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفي الحديثِ: النَّهْيُ عَن التَّشَبُّهِ بأَهْلِ الجاهِلِيَّةِ وأَهْلِ الكِتابِ فيمَا كانُوا يَفْعَلُونه، إلَّا ما دَلَّ الدَّليلُ على أَنَّهُ مِن شَرِيعةِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ المُصَنِّفُ: (وفيه التَّنْبِيهُ على مَسائلِ القَبْرِ، أمَّا: مَن رَبُّك؟ فوَاضِحٌ. وأمَّا: مَن نَبِيُّك؟ فَمِنْ إخبارِه بأنْباءِ الغَيْبِ. وأمَّا: ما دِينُك؟ فمِن قولِهم: اجْعَلْ لنا إلهًا إلى آخرِه. وفيه: أنَّ الشِّركَ لا بُدَّ أن يَقَعَ في هذه الأُمَّةِ خِلافًا لمَن ادَّعَى خِلافَ ذلك، وفيه الغَضَبُ عندَ التَّعْلِيمِ، وأنَّ ما ذَمَّ اللهُ به اليَهُودَ والنَّصارَى، فإنَّه قالَه لنا لِنَحْذَرَه) . قالَه المُصَنِّفُ.

وأمَّا ما ادَّعَاه بَعْضُ المُتَأَخِّرِين مِن أَنَّهُ يَجوزُ التَّبَرُّكُ بآثارِ الصَّالحِين فمَمْنوعٌ مِن وُجوهٍ:

مِنها: أنَّ السَّابِقِين الأَوَّلِين مِن الصَّحابَةِ ومَن بعدَهم لم يَكُونوا يَفْعَلُون ذلك مع غَيرِ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا في حَياتِه، ولا بَعْدَ موتِه. ولو كان خَيْرًا لَسَبَقُونا إليه، وأَفْضَلُ الصَّحابةِ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم. وقد شَهِدَ لهم رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيمَن شَهِدَ له بالجَنَّةِ؛ وما فَعَلَه أَحَدٌ مِن الصَّحابةِ والتَّابِعِين مع أَحَدٍ مِن هؤلاء السَّادَةِ، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت