فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 339

اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّها السُّنَنُ. قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، كَما قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف:138] ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبلَكُم )) . رَوَاه التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَه.

أَبُو وَاقِدٍ اسمُه الحارِثُ بنُ عَوْفٍ، وفي البابِ عن أَبِي سَعِيدٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ، قالَه التِّرْمِذِيُّ، وقد رَوَاه أَحْمَدُ، وأَبُو يَعْلَى، وابنُ أَبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ جَرِيرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أَبِي حاتِمٍ، والطَّبَرَانِيُّ بنحوِه.

قولُه: (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) تَقَدَّمَ اسْمُه في قولِ التِّرْمِذِيِّ، وهو صَحَابِيٌّ مَشْهورٌ، مات سَنَةَ ثَمانٍ وسِتِّينَ، وله خمسٌ وثَمانونَ سَنَةً.

قولُه: (خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حُنَيْنٍ) . وفي حديثِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، وهو عندَ ابنِ أَبِي حاتِمٍ، وابنِ مَرْدُويَه، والطَّبَرَانِيِّ قال: (( غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَنَحْنُ أَلْفٌ ونَيِّفٌ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ حُنَينٍ وَالطَّائِفِ ) )الحديثَ.

قولُه: (وَنَحْنُ حُدَثاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ) أيْ: قريبٌ عَهْدُنا بالكُفْرِ، ففيه دَليلٌ على أنَّ غَيْرَهم مِمَّن تَقَدَّمَ إسْلامُه مِن الصَّحابةِ لا يَجْهَلُ هذا، وأنَّ المُنْتَقِلَ مِن الباطِلِ الَّذي اعْتَادَه قلبُه لا يَأْمَنُ أن يَكونَ في قلبِه بَقِيَّةٌ مِن تلك العَادةِ. ذَكَرَه المُصَنِّفُ.

قولُه: (وَلِلمُشرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا) العُكُوفُ: هو الإِقامةُ على الشَّيءِ في المكانِ، ومنه قولُ الخَلِيلِ عليه السَّلامُ: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] . وكان عُكُوفُ المُشْرِكِين عندَ تلك السِّدْرَةِ تَبَرُّكًا بها وتَعْظِيمًا لها. وفي حديثِ عَمْرٍو: (( كَانَ يُناطُ بِها السِّلاحُ، فَسُمِّيَتْ ذَاتَ أَنْواطٍ، وَكانَتْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ) ).

قولُه: (وَيَنوطُونَ بِها أَسْلِحَتَهُم) أي: يُعَلِّقُونَها عليها للبَرَكةِ.

قُلْتُ: ففي هذا بَيانُ أنَّ عِبادتهَم لها بالتَّعْظِيمِ والعُكُوفِ والتَّبَرُّكِ، وبهذه الأمورِ الثَّلاثةِ عُبِدَت الأَشْجارُ ونحوُها.

قولُه: (فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ) . قال أَبُو السَّعاداتِ: سَأَلُوه أن يَجْعَلَ لهم مِثلَها فنَهَاهُم عن ذلك. وأَنْوَاطٌ جَمْعُ نُوطٍ، وهو مَصْدرٌ سُمِّيَ بها المَنُوطُ. ظَنُّوا أنَّ هذا مَحْبوبٌ عندَ اللهِ، وقَصَدُوا التَّقَرُّبَ به، وإلَّا فهم أَجَلُّ قَدْرًا مِن أن يَقْصِدُوا مُخالَفةَ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قولُه: (فقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهُ أَكْبَرُ!) . وفي رِوايةٍ (( سُبْحَانَ اللهِ! ) ). والمرادُ تَعْظِيمُ اللهِ تعالى، وتَنْزِيهُهُ عن هذا الشِّركِ بأيِّ نَوْعٍ كان، ممَّا لا يَجوزُ أن يُطْلَبَ ويُقْصَدَ به غيرُ اللهِ، وكان النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَعْمِلُ التَّكْبِيرَ والتَّسْبِيحَ في حالِ التَّعَجُّبِ تَعظِيمًا للهِ وتَنْزِيهًا له إذا سَمِعَ مِن أَحَدٍ ما لا يَلِيقُ باللهِ، ممَّا فيه هَضْمٌ للرُّبوبيَّةِ والإلهيَّةِ.

قولُه: (إِنَّها السُّنَنُ) بضَمِّ السِّينِ، أي: الطُّرُقُ.

قولُه: (( قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، كَمَا قَالتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَلْ لَّنَا إِلَهًا} ) ). شَبَّهَ مَقالَتَهم هذه بمقالةِ بَنِي إِسْرائِيلَ، بِجَامِعِ أنَّ كُلًّا طَلَب أن يُجْعَلَ له ما يُأَلِّهُه ويَعْبُدُه مِن دُونِ اللهِ، وإن اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ فالمعنى واحِدٌ، فتَغْيِيرُ الاسمِ لا يُغَيِّرُ الحَقِيقةَ.

ففِيه الخَوْفُ مِن الشِّركِ، وأنَّ الإنسانَ قد يَسْتَحْسِنُ شَيئًا يَظُنُّه يُقَرِّبُه إلى اللهِ، وهو أَبْعَدُ ما يُبْعِدُه مِن رَحمتِه ويُقَرِّبُه مِن سَخَطِه، ولا يَعْرِفُ هذا على الحقِيقةِ إلَّا مَن عَرَفَ ما وَقَعَ في هذه الأَزْمانِ مِن كَثِيرٍ مِن العُلماءِ والعُبَّادِ مع أَرْبابِ القُبورِ؛ مِن الغُلُوِّ فيها وصَرْفِ جُلِّ العِبادةِ لها، ويَحْسَبُون أنَّهم على شَيءٍ، وهو الذَّنْبُ الَّذِي لا يَغْفِرُه اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت