فهرس الكتاب
وأمَّا (العُزَّى) فقال ابنُ جَرِيرٍ: كانَتْ شَجَرةً عليها بِناءٌ وأَسْتارٌ بنَخْلَةَ -بينَ مَكَّةَ والطَّائفِ- كانَتْ قُرَيْشٌ يُعَظِّمُونَها. كما قال أَبُو سُفْيانَ يومَ أُحُدٍ:"لَنا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُم". فقال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قُولُوا: اللهُ مَوْلانا وَلا مَوْلَى لَكُمْ ) ). ورَوَى النَّسائِيُّ، وابنُ مَرْدُويَه، عن أَبِي الطُّفَيْلِ قال:"لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَكَّةَ بَعَثَ خَالدَ بنَ الوَليدِ إِلى نَخْلَةَ وَكَانَتْ بِهَا العُزَّى، وَكَانَتْ عَلَى ثلاثِ سَمُراتٍ، فَقَطَعَ السَّمُراتِ، وَهَدَمَ البَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا، فَرَجَعَ خَالِدٌ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْهُ السَّدَنَةُ أَمْعَنُوا في الجَبَلِ وَهُمْ يَقُولونَ: يَا عُزَّى يَا عُزَّى. فَأَتَاهَا خَالِدٌ، فَإِذَا امْرَأةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، تَحْفِنُ التُّرابَ علَى رَأْسِها، فَعَمَّمَها بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا. ثُمَّ رَجَعَ إِلى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: تِلْكَ العُزَّى )) قَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا السِّيُورَ والعِهْنَ. رَوَاهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ. قُلْتُ: وَكُلُّ هذا، وما هو أَعْظَمُ مِنْهُ، يَقَعُ في هذِهِ الأَزْمِنةِ عندَ ضَرائِحِ الأَمْوَاتِ وفي المَشاهِدِ."
وأما (مَنَاةُ) : فكانَتْ بالمُشَلَّلِ عندَ قُدَيْدٍ، بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وكانت خُزاعَةُ والأَوْسُ والخَزْرَجُ يُعَظِّمُونها، ويُهِلُّون مِنها للحَجِّ، وأصلُ اشْتِقاقِها: مِن اسمِ اللهِ المَنَّانِ، وقِيلَ: لِكَثْرةِ ما يُمْنَى -أي: يُراقُ- عندَها مِن الدِّماءِ للتَّبَرُّكِ بها.
قال البُخارِيُّ رَحِمَه اللهُ تَعَالَى، في حديثِ عُرْوَةَ عنِ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (( إِنَّها صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمدينةِ ) ). قال ابنُ هِشامٍ: فبَعَث رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِيًّا فهَدَمَها عامَ الفَتْحِ. وقَالَ العِمَادُ ابنُ كَثِيرٍ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فَكَسَرَها.
فمعنى الآيةِ كما قال القُرْطُبِيُّ: إنَّ فيها حَذْفًا تَقْدِيرُه: أَفَرَأَيْتُم هذه الآَلِهةَ؛ أَنَفَعَتْ أو ضَرَّتْ، حتَّى تَكونَ شُرَكاءَ للهِ تعالى؟
وقولُه: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى} . قال ابنُ كَثِيرٍ: أتَجْعَلُون له وَلَدًا، وتَجْعَلُون وَلَدَه أُنْثَى، وتَخْتَارُون لكم الذُّكُورَ؟ قولُه: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} . أي: جَوْرٌ وباطِلةٌ. فكيف تُقَاسِمُون ربَّكَم هذه القِسْمةَ الَّتي لو كانت بينَ مَخْلُوقِين كانت جَوْرًا وسَفَهًا؟ فتُنَزِّهُونَ أنفُسَكم عَن الإِناثِ، وتَجْعَلُونَهنَّ للهِ تعالى. وقولُه: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم} أي: مِن تِلْقاءِ أنفُسِكم. {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي: مِن حُجَّةٍ. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ} أي: ليس لهم مُسْتَنَدٌ إلَّا حُسْنُ ظَنِّهم بآبائِهم الَّذِين سَلَكُوا هذا المَسْلَكَ الباطِلَ قبلَهم، وإلَّا حَظُّ أنفُسِهم في رِياسَتِهم وتَعْظيمِ آبائِهم الأَقْدَمِين. قولُه: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} قال ابنُ كثيرٍ: ولقد أَرْسَلَ اللهُ تعالى إليهم الرُّسلَ بالحقِّ المُنِيرِ والحُجَّةِ القاطِعةِ، ومع هذا ما اتَّبَعُوا ما جاؤُوهم به ولا انْقادُوا له. اهـ.
ومُطابَقةُ الآياتِ للتَّرْجمةِ مِن جِهةِ أنَّ عُبَّادَ هذه الأَوْثانِ إنَّما كانُوا يَعْتَقِدُون حُصولَ البَرَكةِ مِنها بتَعْظِيمِها ودُعائِها، والاسْتِعانةِ بها، والاعْتِمادِ عليها في حُصُولِ ما يَرْجُونه مِنها، ويُؤَمِّلُونه ببرَكَتِها وشَفاعتِها، وغيرِ ذلك. فالتَّبَرُّكُ بقُبورِ الصَّالحِين؛ كاللَّاتِ، وبالأَشْجارِ والأحْجارِ؛ كالعُزَّى ومَناةَ، مِن فِعْلِ جُمْلَةِ أولئك المُشرِكِين مع تلك الأَوْثانِ، فمَن فَعَلَ مِثلَ ذلك، أو اعْتَقَدَ في قَبْرٍ أو حَجَرٍ أو شَجَرٍ فقد ضَاهَى عُبَّادَ هذه الأَوْثانِ فيمَا يَفْعَلُونه مَعَها مِن هذا الشِّرْكِ، على أنَّ الوَاقِعَ مِن هؤلاء المُشْرِكِين مَع مَعْبُودِيهم أَعْظَمُ ممَّا وَقَع مِن أولئك. فاللهُ المُسْتَعانُ.
(2) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: (( خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى حُنَيْنٍ، ونَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْواطٍ كَما لَهُمْ ذاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: