فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 339

ورَوَاه الإِمَامُ أَحْمَدُ كَذَلِكَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قالَ: (( قُلْنَا لِعَلِيٍّ: أَخْبِرْنا بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ؛ وَلَكِن سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ والِِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِِ، يَعْنِِي الْمَنارَ ) ).

وعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هُوَ الإِمَامُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَبُو الْحَسَنِ الهاشِمِيُّ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزَوْجُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ, وكانَ مِن أَسْبَقِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ, وَمِن أَهْلِ بَدْرٍ وبَيْعَةِ الرُّضْوَانِ، وأَحَدَ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُم بِالجَنَّةِ، ورابِعَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ومَنَاقِبُه مَشْهُورَةٌ, رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. قَتَلَه ابْنُ مُلْجِمٍ الْخَارِجِيُّ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ.

قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللهُ) اللَّعْنَةُ: البُعْدُ عَنْ مَظانِّ الرَّحْمَةِ ومَوَاطِنِهَا، قِيلَ: واللعِينُ والمَلْعُونُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ اللَعْنَةُ, أوْ دُعِيَ عَلَيْهِ بِهَا. قالَ أَبُو السَّعَاداتِ: أَصْلُ اللعْنِ: الطَّرْدُ والإِبْعَادُ مِنَ اللهِ، ومِنَ الْخَلْقِ السَّبُّ والدُّعَاءُ.

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ما مَعْنَاهُ: إنَّ اللهُ تَعالى يَلْعَنُ مَنِ اسْتَحَقَّ اللعْنَةَ بِالْقَوْلِ كَما يُصَلِّي سُبْحانَه عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ الصَّلاةَ مِن عِبادِه. قالَ تَعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} [الأَحْزَاب: 43 - 44] وقالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} [الأحزاب:64] وقالَ {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب:61] والقُرْآنُ كَلامُه تَعالى أَوْحَاه إِلى جَبْرَائيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ, وبَلَّغَهُ رَسُولَه محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وجَبْرَائيلُ سَمِعَه مِنه كَما سَيأْتِي فِي الصَّلاةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، فالصَّلاةُ ثَنَاءُ اللهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ. فاللهُ تَعالى هُوَ المُصَلِّي وهُوَ المُثِيبُ، كُما دَلَّ عَلى ذلِكَ الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ وعَلَيْه سَلَفُ الأُمَّةِ. قَالَ الإِمامُ أحمدُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (( لَمْ يَزَلِ اللهُ مُتكلِّمًا إذا شاءَ ) ).

قَوْلُهُ: (مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ) قالَ شَيْخُ الإسْلامِ رَحِمَه اللهُ تَعالى: في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البَقَرَة:173] ظاهِرُه: أَنَّهُ ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هَذا ذَبِيحَةٌ لِكَذا. وإِذَا كَانَ هَذا هُوَ المَقْصُودَ فسَوَاءٌ لَفَظَ بِه أوْ لمْ يَلْفِظْ، وتَحْرِيمُ هَذا أَظْهَرُ مِن تَحْرِيمِ ما ذَبَحَه للحْمِ وقالَ فِيه: بِاسْمِ المَسِيحِ ونَحْوِه. كَمَا أنَّ ما ذَبَحْنَاه مُتَقَرِّبِينَ بِه إِلى اللهِ كانَ أَزْكَى وأَعْظَمَ مِمَّا ذَبَحْنَاه للَّحْمِ، وقُلْنَا عَلَيْه: بِسْمِ اللهِ. فَإذا حَرُمَ ما قِيلَ فِيهِ باسْمِ المَسِيحِ أَوِ الزُّهَرَةِ، فلَأَنْ يَحْرُمَ ما قِيلَ فيهِ لِأَجْلِ المسيحِ أوِ الزُّهَرَةِ أوْ قُصِدَ بِه ذَلِكَ أَوْلَى، فَإنَّ العِبادةَ لِغَيْرِ اللهِ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنَ الاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ اللهِ. وعَلَى هَذا فَلوْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ مُتَقَرِّبًا إليهِ لَحَرُمَ؛ وإنْ قالَ فيهِ باسْمِ اللهِ؛ كَما قَدْ يَفْعَلُه طائِفةٌ مِن مُنافِقِي هَذه الأُمَّةِ الذِينَ قد يَتَقَرَّبُونَ إلى الكواكِبِ بالذبْحِ والبَخُورِ ونَحْوِ ذلكَ, وإنْ كانَ هَؤلاءِ مُرْتَدِّينَ لا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُم بِحالٍ. لكنْ يَجْتَمِعُ في الذبِيحةِ مانِعانِ:

الأوَّلُ: أَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ به لِغيرِ اللهِ.

والثانِي: أنَّها ذَبِيحةُ مُرْتَدٍّ.

قُلْتُ: هَذَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ, وَأَمَّا الذَّبْحُ للَّحْمِ وذِكْرٌ عَلَى الذَّبِيحَةِ اسْمَ المَسْيحِ أو الزُّهَرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا الذي فيه خِلَافُ العُلَمَاءِ, وَكَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه يَقُولُ بتَحْرِيمِهِ ووَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ العُلَمَاءِ وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] .

ثُمَّ اسْتَثْنَى قَوْلَهُ: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة:5] .يَعْنِي: ذَبِيحَةَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ, وإِنْ كَانَ النَّصْرَانِيُّ يَقُولُ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِسْمِ المَسِيحِ. واليَهُودِيُّ يَقُولُ: بِسْمِ عُزَيْرٍ. وذَكَرَ قَوْلَ عَطَاءٍ: كُلْ مِن ذَبِيحَةِ النَّصْرَانِيِّ وإِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت