فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 339

قَالَ: بِسْمِ المَسِيحِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ ذَبَائِحَهُم وَقَدْ عَلِمَ ما يَقُولُونَ. وَذَكَرَ مِثْلَهُ عن القَاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ, وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ورَبِيعَةَ والشَّعْبِيِّ ومَكْحُولٍ, ورُوِيَ عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِن الصَّحَابَةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.

ثم قال: ومِن هذا البابِ: ما يَفْعَلُه الجاهِلونَ بِمَكَّةَ مِنَ الذَّبْحِ للجِنِّ. ولِهذا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبائِحِ الْجِِنِّ ) )انتهى.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا إذا اشْتَرَوا دارًا أوْ بَنَوْها أوِ اسْتَخْرَجُوا عَيْنًا، ذَبَحُوا ذَبيحةً خَوْفًا أنْ تُصِيبَهمُ الجِنُّ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهم الذَّبائِحُ لِذَلكَ.

وذَكَرَ إبْرَاهِيمُ المَرْوَزِيُّ: أنَّ ما ذُبِحَ عِندَ اسْتِقَبالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إلَيْه، أَفْتَى أهْلُ بُخَارَى بتَحْرِيمِه؛ لأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لغيرِ اللهِ.

قَولُه: (لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ والِدَيْهِ) يَعْنِي: أَباه وأُمَّه وإنْ عَلَيا، وفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ, يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ) ).

قولُه: (لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِِثًا) وهو بفَتْح ِالهَمزةِ مَمْدُودةً, أيْ: ضَمَّه إليه وحَماه أنْ يُؤْخَذَ مِنه الحَقُّ الذِي وَجَبَ علَيْه, و (آَوَى) . قالَ أَبُو السَّعاداتِ: أَوَيْتُ إلَى المَنْزِلِ، وأَوَيْتُ غَيرِي؛ وآوَيْتُه. وأَنْكَرَ بَعضُهم المَقْصُورَ المُتَعَدِّيَ وقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هي لُغَةٌ صَحِيحَةٌ.

وأمَّا (مُحْدِثًا) , فقالَ أبُو السَّعاداتِ: يُرْوَى بكَسْرِ الدَّالِ وفَتْحِها علَى الفاعِلِ والمَفْعُولِ، فمَعْنَى الْكَسْرِ: مَن نَصَرَ جانِيًا وآوَاه وأَجارَه مِن خَصْمِه، وحالَ بَيْنَه وبيْنَ أنْ يُقْتَصَّ مِنه، والفَتْحِ: هوَ الأَمْرُ المُبْتَدَعُ نفْسُه، ويَكونُ مَعْنى الإِيوَاءِ فيهِ الرِّضَى بهِ والصَّبْرَ علَيْه، فإنَّه إذا رَضِيَ بِالبِدْعةِ وأقَرَّ فَاعِلَها ولمْ يُنْكِرْ علَيْه فَقَدْ آوَاه.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تَعالى: هذه الكَبِيرةُ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُها باخْتَلافِ مَراتِبِ الحَدَثِ فِي نَفْسِه, فكُلَّما كانَ الحَدَثُ في نفْسِه أَكْبَرَ كانَتِ الكبيرةُ أَعْظَمَ.

قولُه: (لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ) بفَتْحِ المِيمِ: عَلاماتِ حُدُودِها. قالَ فِي النِّهَايةِ: أيْ مَعالِمَها وحُدُودَها، واحِدُها تُخُمٌ, قِيلَ: أَرادَ حُدودَ الحَرَمِ خَاصَّةً، وقيلَ: هو عامٌّ في جَميعِ الأرْضِ، وَأَرادَ المَعالِمَ التِي يُهْتَدَى بِها في الطَّرِيقِ، وقيلَ: هو أنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ في مِلْكِ غيرِه فَيَقْتَطِعَه ظُلْمًا، قالَ: ورُوِيَ (تَخُومٌ) بفتحِ التاءِ علَى الإفْرادِ, وجَمْعُه تُخُمٌ بضَمِّ التاءِ والخاءِ, انتهى.

وتَغْيِيرُها: أنْ يُقَدِّمَها أوْ يُؤَخِّرَها، فَيَكُونُ هَذا مِن ظُلْمِ الأرْضِ الذِي قالِ فيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) ). فَفيهِ جَوازُ لَعْنِ أهْلِ الظُّلْمِ مِن غيرِ تَعْيِينٍ.

وأمَّا لَعْنُ الفاسِقِ المُعَيَّنِ, فَفِيه قَوْلانِ:

أحَدُهما: أَنَّهُ جائِزٌ, اخْتَارَه ابْنُ الجَوْزِيِّ وغيرُه،

والثانِي: لا يَجوزُ، اخْتارَه أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ وشَيخُ الإسْلامِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: واتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّعْنِ؛ فَإِنَّهُ في اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ والطَّرْدُ. وفي الشَّرْعِ: الْإِبْعَادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْعَدَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ, مَن لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وخَاتِمَةُ أَمْرِهِ مَعْرِفَةً قَطْعِيَّةً فَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لَعْنُ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا أو دَابَّةً إِلَّا مَن عَلِمْنَا بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الكُفْرِ أَوْ يَمُوتُ عَلَيْهِ كَأَبِي جَهْلٍ وإِبْلِيسَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت