فهرس الكتاب
وأَمَّا اللَّعْنُ بالوَصْفِ فَلَيْسَ حَرَامًا كلَعْنِ الوَاصِلَةِ والمُسْتَوْصِلَةِ والوَاشِمَةِ والمُسْتَوْشِمَةِ وآكِلِ الرِّبَا ومُوكِلِه والمُصَوِّرِينَ والظَّالِمِينَ والفَاسِقِينَ والكَافِرِينَ وَلَعْنِ مَن غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ وَمَن تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ ومَن انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ومَن أَحْدَثَ في الْإِسْلَامِ حَدَثًا أو آوَى مُحْدِثًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَت النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بإِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَوْصَافِ, لَا عَلَى الْأَعْيَانِ, واللَّهُ أَعْلَمُ.
(5) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ في ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ في ذُبَابٍ. قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلاَنِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لا يُجَاوِزُه أَحَدٌ حَتَّى يُقرِّبَ لَهُ شَيْئًا، قَالُوا لأَحَدِهِما: قَرِّبْ، قَالَ لَيْسَ عِنْدِي شَيءٌ أُقَرِّبُهُ. قالُوا لهُ: قرِّبْ وَلَوْ ذُبابًا، فَقَرَّبَ ذُبابًا فَخَلَّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ ) ). رَواه أحمدُ).
قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى: قالَ الإمامُ أحمَدُ: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ, حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مَيْسَرَةَ, عَنْ طارِقِ بْنِ شِهَابٍ يَرْفَعُه قالَ: (( دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبابٍ ) )الحديثَ.
وطارِقُ بْنُ شِهَابٍ: هو البَجَلِيُّ الأَحْمَسِيُّ, أبُو عبدِ اللهِ. رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو رَجُلٌ. قَالَ البَغَوِيُّ: نَزَلَ الكُوفَةَ، وقالَ أبُو دَاودَ: رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمْ يَسْمَعْ مِنْه شَيْئًا. قالَ الحافِظُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهوَ صَحَابِيٌّ. وإِذا ثَبَتَ أَنَّهُ لمْ يَسْمَعْ مِنْه فرِوَايَتُه عنْه مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ, وهوَ مَقْبُولٌ علَى الرَّاجِحِ, وكانَتْ وَفَاتُه -علَى ما جَزَمَ به ابْنُ حِبَّانَ- سَنَةَ ثلاثٍ وثَمانِينَ.
قَولُه: (( دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ في ذُبَابٍ ) ), أيْ: مِن أَجْلِه؛ لأن"في"تَأْتِي للتَّعْلِيلِ
قَولُه: (( قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ) )كأَنَّهُم تَقَالُّوا ذلكَ، وتَعَجَّبُوا مِنه. فَبَيَّنَ لَهُم النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما صَيَّرَ لهم هَذا الأَمْرَ الحَقِيرَ عِندَهم عَظِيمًا يَسْتَحِقُّ هذَا عَلَيه الجَنَّةَ، ويَسْتَوْجِبُ الآخَرُ عَليه النَّارَ.
قَولُه: (( فقَالَ: مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ ) )الصَّنَمُ: ما كانَ مَنْحُوتًا عَلَى صُورةٍ.
قولُه: (( لا يُجَاوِزُهُ ) ), أيْ: لا يَمُرُّ بِهِ ولا يَتَعَدَّاه أَحَدٌ حتَّى يُقرِّبَ إلَيه شَيْئًا, وإنْ قَلَّ.
قولُه: (( قالُوا لهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبابًا، فَقَرَّبَ ذُبابًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَدَخَلَ النَّارَ ) ). وفي هذا بَيانُ عَظَمَةِ الشِّرْكِ، ولوْ في شَيْءٍ قَلِيلٍ، وأَنَّهُ يُوجِبُ النارَ، كما قالَ تَعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المَائِدَة:72] .
وفي هذا الحَدِيثِ: الْحَذَرُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ؛ وأنَّ الإنْسَانَ قدْ يَقَعُ فِيه, وهُو لا يَدْرِي أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الذِي يُوجِبُ النارَ.
وفيه: أَنَّهُ دَخَلَ النارَ بِسَبَبٍ لمْ يَقْصِدْه ابْتَدَاءً، وإنَّما فَعَلَه تَخَلُّصًا مِن شرِّ أهْلِ الصَّنَمِ.
وفِيه: أنَّ ذلكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا قبْلَ ذلكَ، وإلَّا فلوْ لمْ يَكُنْ مُسْلِمًا لمْ يَقُلْ دَخَلَ النارَ في ذُبَابٍ.
وفيه: أَنَّ عَمَلَ القَلْبِ هُو المَقْصُودُ الأَعْظَمُ حتَّى عِندَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، ذَكَرَه المُصَنِّفُ بمَعَناه.
قولُه: (( وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأقرِّبَ لأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ) )، فَفِيه بَيَانُ فَضِيلةِ التَّوْحِيدِ والإِخْلاصِ, والصَّلَابَةِ في الدِّينِ, وفيه مَعْنَى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: (( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ ) ).