فهرس الكتاب
قال: (( فَهَلْ كَانَ فِيها عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ) )قالوا: لا، فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ ) ). رَوَاه أبُو دَاودَ، وإسْنادُه علَى شَرْطِِِهما).
قولُه: (عَنْ ثاَبِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) أي: ابْنِ خَلِيفةَ الأَشْهَلِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهورٌ، رَوَى عنه أبُو قِلابَةَ وغَيرُه. ماتَ سَنَةَ أرْبَعٍ وسِتِّينَ.
قولُه: (بِبُوَانَةَ) بضَمِّ الباءِ وقِيلَ بفَتْحِها: قالَ البَغَوِيُّ: مَوْضِعٌ فِي أسْفَلِ مَكَّةَ دُونَ يَلَمْلَمَ. قالَ أبُو السَّعاداتِ: هَضَبةٌ مِن وَراءِ يَنْبُعَ.
قولُه: (( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ) )فِيهِ المَنْعُ مِنَ الوَفاءِ بالنَّذْرِ إذا كانَ فِي المَكانِ وَثَنٌ، ولوْ بَعْدَ زَوَالِه. قَالَه المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ.
قولُه: (( فَهَلْ كَانَ فِيها عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ) )قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: العِيدُ اسْمٌ لِمَا يَعودُ مِنَ الاجْتِمَاعِ العامِّ علَى وَجْهٍ مُعَتَادٍ عائِدٍ، إمَّا بِعَوْدِ السَّنةِ أوِ الأُسْبوعِ أوِ الشَّهْرِ ونَحْوِ ذلكَ، والمُرَادُ بِه هُنَا الاجْتِمَاعُ المُعْتَادُ مِنَ اجْتِمَاعِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ, فالعِيدُ يَجْمَعُ أُمُورًا مِنها: يَوْمٌ عَائِدٌ، كَيوْمِ الفِطْرِ ويومِ الجُمُعَةِ، ومِنها: اجْتِمَاعٌ فِيهِ، ومِنها: أعْمالٌ تَتْبَعُ ذلكَ مِنَ العِباداتِ والعاداتِ. وقدْ يَخْتَصُّ العيدُ بِمَكانٍ بِعَيْنِه، وقدْ يَكُونُ مُطْلَقًا، وكُلٌّ مِن هذِه الأُمورِ قدْ يُسَمَّى عِيدًا. فالزَّمَانُ كَقوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوْمِ الجُمُعةِ: (( إنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدْ جَعَلَهُ اللهُ لِلمُسْلِمِينَ عِيدًا ) ). والاجْتِمَاعُ والأعْمالُ, كقولِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (( شَهِدْتُ العيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ). والمَكانُ, كقولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا تَتَّخِذوا قَبْرِيَ عِيدًا ) ). وقدْ يَكُونُ لَفْظُ العِيدِ اسْمًا لمَجْموعِ اليومِ والعَمَلِ فيهِ, وهوَ الغالِبُ، كقولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ, فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا ) ). انْتَهَى.
قَالَ المُصَنِّفُ: (وفيهِ اسْتِفْصَالُ المُفَتِي, والمَنْعُ مِنَ الوَفاءِ بالنَّذْرِ بِمَكانِ عِيدِ الجاهِلِيَّةِ ولوْ بَعْدَ زَوَالِه) .
قُلْتُ: وفيهِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ, وتَرْكُ مُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ، والمَنْعُ مِمَّا هو وَسِيلةٌ إلَى ذلكَ.
قولُه: (( أَوْفِ بِنَذْرِكَ ) ). هَذا يَدُلُّ علَى أنَّ الذَّبْحَ للهِ فِي المَكانِ الذِي يَذْبَحُ فِيهِ المُشْرِكونَ لِغيرِ اللهِ. أيْ: فِي مَحَلِّ أعْيادِهِم، مَعْصِيَةٌ؛ لأنَّ قولَه: (( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ) )تَعْقِيبٌ للوَصْفِ بالحُكْمِ بِالفاءِ، وذلِكَ يَدُلُّ علَى أنَّ الوَصْفَ سَبَبُ الحُكْمِ. فَيَكُونُ سَبَبُ الأَمْرِ بِالوَفاءِ خُلُوَّهُ عَنْ هَذَيْنِ الوَصْفِينِ. فَلمَّا قالُوا: (لا) قالَ: (( أَوْفِ بِنَذْرِكَ ) ). وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ البُقْعَةِ مَكانًا لِعِيدِهم، أوْ بِها وَثَنٌ مِن أوْثَانِهم مَانِعٌ مِنَ الذَّبْحِ بِها ولوْ نَذَرَه. قالَه شَيْخُ الإسْلامِ.
وقولُه: (( فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ ) )دَلِيلٌ علَى أنَّ هذا نَذْرُ مَعصيةٍ لوْ قدْ وُجِدَ فِي المَكانِ بَعْضُ المَوَانِعِ. وما كانَ مِن نَذْرِ المعصِيةِ فلا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِه بإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ، واخْتَلَفُوا هَلْ تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ علَى قَولَينِ: هُما رِوايَتانِ عنْ أحمدَ:
أَحَدُهما: تَجِبُ وهوَ المَذْهَبُ. ورُوِيَ عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبَّاسٍ. وبِه قالَ أبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُه؛ لِحديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَرْفوعًا: (( لا نَذْرَ في مَعْصِيةٍ، وكَفّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) ). رَوَاه أحمدُ وأَهْلُ السُّنَنِ, واحْتَجَّ بهِ أحمدُ وإِسْحَاقُ،
والثانِي: لا كَفَّارَةَ عَليه. ورُوِيَ ذَلكَ عنْ مَسْرُوقٍ والشَّعْبِيِّ والشَّافِعِيِّ، لِحديثِ البابِ. ولمْ يُذْكَرْ فِيهِ كَفَّارَةٌ. وجَوابُه: أَنَّهُ ذَكَرَ الكفَّارةَ في الحَديثِ المُتَقَدِّمِ. والمُطْلَقُ يُحْمَلُ علَى المُقَيَّدِ.
قولُه: (( وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ) ). في شَرْحِ المَصَابِيحِ: يَعْنِي إذا أَضَافَ النَّذْرَ إلَى مُعَيَّنٍ لا يَمْلِكُهُ, بِأَنْ قالَ: إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضي فللهِ علَيَّ أنْ أُعْتِقَ عَبْدَ فُلانٍ ونَحْوَ ذلكَ. فأمَّا إِذا الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ شَيْئًا، بِأنْ قالَ: إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضي فللهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً، وهو فِي تِلكَ الحالِ لا يَمْلِكُها ولا قِيمَتَها، فَإِذا شُفِي مَرِيضُه ثَبَتَ ذلكَ فِي ذِمَّتِه.