فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 339

يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] الآيةَ, قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللهَ تَعالى نَهَى رَسُولَه عَنِ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدِ الضِّرارِ، والأُمَّةُ تَبَعٌ لَه فِي ذلكَ، ثُمَّ إنَّه تَعالى حَثَّه عَلى الصلاةِ في مَسْجدِ قُبَاءَ الذِي أُسِّسَ مِن أوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ علَى التَّقْوَى، وهِيَ طاعةُ اللهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجَمْعًا لِكَلِمةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْقِلًا ومَنْزِلًا للإسلامِ وأهْلِه، ولِهذا جاءَ في الحَديثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِ قُباءَ كَعُمْرةٍ ) ). وفي الحديثِ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُورُ قُباءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ) ). وقدْ صرَّحَ أنَّ المَسْجِدَ المَذْكورَ في الآيةِ هو مسجدُ قُبَاءَ جَمَاعةٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنهم: ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُرْوَةُ، وعَطِيَّةُ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ وغَيْرُهم.

قُلْتُ: ويُؤَيِّدُه قولُه في الآيةِ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} الآيةَ. وقيلَ: هو مسجدُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: (( تَمَارَى رَجُلانِ في الْمَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ مَسْجِدِي هَذَا ) ). رَوَاه مُسْلِمٌ، وهو قَولُ عُمَرَ وابْنِه وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيرِهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا صَحِيحٌ. ولا مُنَافاةَ بَيْنَ الآيةِ والحديثِ؛ لأَنَّهُ إذا كانَ مَسْجِدُ قُبَاءَ قدْ أُسِّسَ علَى التقْوَى مِنْ أوَّلِ يَومٍ، فمَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطريقِ الأَولَى، وهذا بِخلافِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الذِي أُسِّسَ علَى مَعْصِيَةِ اللهِ, كَما قالَ تَعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} . [التوْبَة:107] . فلِهذه الأُمُورِ نَهَى اللهُ نَبِيَّه عنِ القِيامِ فِيهِ للصَّلاةِ. وكانَ الذِينَ بَنَوْه جاؤُوا إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خُروجِه إِلى غَزْوَةِ تَبوكَ فسَأَلُوه أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ. وأَنَّهُم إنَّما بَنَوْه للضُّعَفَاءِ وأهْلِ العِلَّةِ في الليْلةِ الشاتِيةِ، فَقَالَ: (( إِنَّا عَلَى سَفَرٍ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعْنا إِنْ شَاءَ اللهُ ) ), فلمَّا قَفَلَ علَيْه السَّلامُ راجِعًا إلى المَدِينةِ؛ ولمْ يَبْقَ بينَه وبينَها إلَّا يَومٌ أوْ بَعضُه نَزَلَ الوَحْيُ بِخَبَرِ المسجدِ، فَبَعَثَ إلَيْه, فَهَدَمَه قَبْلَ قُدومِه إلَى المَدينةِ.

ووَجْهُ مُناسَبةِ الآيةِ للترْجَمَةِ: أنَّ المَواضِعَ الْمُعَدَّةَ للذبْحِ لغيرِ اللهِ يَجِبُ اجْتِنَابُ الذبحِ فِيها للهِ، كمَا أنَّ هذا المسجدَ لمَّا أُعِدَّ لمَعْصِيَةِ اللهِ صَارَ مَحَلَّ غَضَبٍ لأَجْلِ ذلكَ، فلا تَجُوزُ الصَّلاةُ فيهِ للهِ. وهَذا قِياسٌ صَحيحٌ ويُؤَيِّدُه حَديثُ ثابِتِ بْنِ الضَّحَاكِ الآَتِي.

قولُه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} رَوَى الإمامُ أحمدُ وابْنُ خُزَيْمَةَ وغيرُهما, عنْ عُوَيْمَ بْنِ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيِّ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتاهُمْ في مَسْجِدِ قُباءَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ بِالطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَمَا هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَهَّرُونَ بِهِ؟ فَقَالُوا: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ, فَكَانُوا يَغْسِلونَ أَدبَارَهُمْ مِنَ الغَائِطِ، فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا ) ). وفي رِوَايةٍ عنْ جابِرٍ وأَنَسٍ: (( هُوَ ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ ) ). رَوَاه ابْنُ مَاجَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ.

قولُه: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) . قالَ أبُو العالِيةَ: إنَّ الطُّهُورَ بالمَاءِ لَحَسَنٌ ولَكِنَّهم المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الذُّنوبِ. وفِيهِ إثْبَاتُ صِفةِ المَحَبَّةِ؛ خِلافًا للأَشَاعِرَةِ ونَحْوِهم.

(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (عَنْ ثاَبِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال:(( نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ) )قالوا: لا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت