أصَحُّ كُتُبِ الحديثِ
(22) أوَّلُ مَن صَنَّفَ في الصحيحِ محمَّدٌ وخُصَّ بالترجيحِ
(23) ومسْلِمٌ بعدُ، وبعضُ الغَرْبِ معْ أبي علِيٍّ فضَّلُوا ذا، لو نَفَعْ
أيْ: أوَّلُ مَن صَنَّفَ في جَمْعِ الصحيحِ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، وكتابُه أصَحُّ مِن كتابِ مسلِمٍ عندَ الْجُمهورِ، وهو الصحيحُ، وقالَ النَّوَوِيُّ: إنه الصوابُ، والْمُرادُ ما أسْنَدَه البُخارِيُّ دونَ التعليقِ والتَّراجِمِ.
وقولُه: (ومسلِمٌ بعْدُ) أيْ: بعْدَ البُخارِيِّ في الوُجودِ والصحَّةِ.
وقولُه: (بعْضُ الغَرْبِ) أيْ: بعْضُ أهْلِ الغرْبِ على حَذْفِ الْمُضافِ، أيْ: وذهَبَ بعْضُ الْمَغَارِبَةِ والحافِظُ أبو عَلِيٍّ الْحُسينُ بنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ شيخُ الحاكِمِ إلى تَفضيلِ مسلِمٍ على البخاريِّ فقالَ أبو عَلِيٍّ: ما تحتَ أَدِيمِ السماءِ أصَحُّ مِن كتابِ مسلِمٍ في علْمِ الحديثِ.
وحَكَى القاضِي عِيَاضٌ عن أبي مَروانَ الطُّبُنِيُّ قالَ: كانَ مِن شُيُوخِي مَن يُفَضِّلُ كِتابَ مُسْلِمٍ عن كتابِ البُخارِيِّ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: فهذا إنْ كان الْمُرادُ به أنَّ كتابَ مسلِمٍ يَتَرَجَّحُ بأنْ لم يُمَازِجْه غيرُ الصحيحِ فهذا لا بَأْسَ به، وإن كانَ المرادُ به أنَّ كتابَ مسلِمٍ أَصَحُّ صحيحًا فهذا مردودٌ على مَن يقولُه. انْتَهى.
وعلى كلِّ حالٍ فكتابُه أَصَحُّ كُتُبِ الحديثِ. وأمَّا قولُ الشافعِيِّ: ما على وجهِ الأرْضِ بعدَ كتابِ اللهِ أَصَحُّ مِن كتابِ مالِكٍ، فذاك قَبْلَ وُجودِ الكتابَيْنِ.
وقولُه: (لَوْ نَفَعْ) يريدُ لو نَفَعَ قولُ مَن فَضَّلَ مُسْلِمًا على البُخاريِّ، فإنه لم يُقْبَلْ مِن قائلِه،
وقولُه: (في الصحيحِ) متَعَلِّقٌ بـ (صَنَّفَ) .
وأمَّا أوَّلُ مَن صَنَّفَ مُطْلَقًا لا بقَيْدِ جَمْعِ الصحيحِ فقد بَيَّنْتُهُ في (الشرْحِ الكبيرِ) .
(24) ولم يَعُمَّاهُ ولكنْ قَلَّمَا ... عندَ ابنِ الاخْرَم مِّنه قد فاتَهُما
(25) وَرُدَّ لكنْ قالَ يَحيى الْبَرُّ ... لم يَفُتِ الخمسةَ إلاَّ النَّزْرُ
أيْ: لم يَعُمَّ البخارِيُّ ومسلِمٌ كلَّ الصحيحِ، يُريدُ لم يَسْتَوْعِبَاهُ في كِتَابَيْهِمَا، ولم يَلْتَزِمَا ذلك، وإلزامُ الدارقُطْنِيِّ وغيرِه إيَّاهُما بأحاديثَ ليس بلازِمٍ.
قالَ الحاكِمُ في خُطْبَةِ (الْمُسْتَدْرَكِ) : ولم يَحْكُمَا ولا واحدٌ منهما أنه لم يَصِحَّ مِن الحديثِ غيرُ ما أَخْرَجَاهُ. انتهى.
قالَ البخاريُّ: ما أَدْخَلْتُ في كتابِ (الجامِعِ) إلاَّ ما صَحَّ، وتَرَكْتُ مِن الصِّحاحِ لحالِ الطُّولِ. وقالَ مسلِمٌ: ليس كلُّ صحيحٍ وضَعْتُه هنا، إنما وَضَعْتُ هنا ما أَجْمَعُوا عليه، يريدُ ما وَجَدَ عندَه فيها شرائِطَ الصحيحِ المجمَعِ عليه، وإنْ لم يَظْهَرِ اجتماعُها في بَعْضِها، عندَ بعضِهم قالَه ابنُ الصلاحِ.
وقولُه: (ولكنْ قَلَّمَا عندَ ابنِ الاخْرَم مِّنه) أيْ: مِن الصحيحِ يُريدُ أنَّ الحافِظَ أبا عبدِ اللهِ محمَّدَ بنَ يعقوبَ بنِ الأَخْرَمِ شيخَ الحاكِمِ ذَكَرَ كَلاَمًا مَعناهُ: قَلَّ ما يَفوتُ البخاريَّ ومسلِمًا مِمَّا يَثْبُتُ مِن الحديثِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: يَعنِي في كِتَابَيْهِمَا.
و (يحيى) هو الشيخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ قالَ في (التقريبِ والتيسيرِ) : والصوابُ أنه لم يَفُت الأصولَ الخمسةَ إلاَّ اليسيرُ؛ أعنِي الصحيحينِ وسُنَنَ أبي داودَ والتِّرمذيَّ والنَّسائيَّ.