الْحَمْدُ للهِ الْهَادِي مَنْ اسْتَهَدَاهُ مَنَاهِجَ الْعِرْفَانِ. الْوَاقِي مَنْ اتَّقَاهُ مَزَالِقَ الشَّيْطَانِ. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلانِ عَلَى أَشْرَفِ وَأَكْرَمِ بَنِي الإِنْسَانِ. الَّذِي بَعَثَهُ رَبُّهُ بَأَصْدَقِ لَهْجَةٍ وَأَنْصَعِ بَيَانٍ.
وَبَعْدُ ..
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ «شَرْحُ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ» : «وَأَمَّا أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْحَدِيْثِ إِذَا تَفَرَّدَ بِهِ وَاحِدٌ: إِنَّهُ لا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ عِلَّةً فِيْهِ، اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ كَثُرَ حِفْظُهُ، وَاشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ، وَحَدِيثُهُ كَالزُّهْرِيِّ، وَنَحْوِهِ. وَرُبَّمَا يَسْتَنْكِرُونَ بَعْضَ تَفَرُّدَاتِ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ أَيْضًا. وَلَهُمْ فِي كُلِّ حَدِيْثٍ نَقْدٌ خَاصٌّ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ لِذَلِكَ ضَابِطٌ يَضْبِطُهُ» .
قُلْتُ: وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ مَا قَالَهُ عَنْ إِحَاطَةٍ، وَمَعْرِفَةٍ تَامَّتَانِ بِمَنَاهِجِ الأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَلَيْسَ كُلُّ تَفَرُّدٍ مَقْبُولًا عِنْدَهُمْ، إِلاَّ مَا جَاءَ عَنْ حَافِظٍ ثَبْتٍ، حُجَّةٍ، مُكْثِرٍ، مُتَيَقِّظٍ، كَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَنَحْوِهِمَا. وَأَمَّا أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَيَحْكُمُونَ بِظَاهِرِ الإِسْنَادِ، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِهَذِهِ الضَّوَابِطِ، وَمِنْهَا مَكَانَةُ الرَّاوِي عِنْدَ شَيْخِهِ، وَخِبْرَتِهِ بِرِوَايَاتِهِ، وَضَبْطِهِ لَهَا.
وَتَذَكَّرْ، وَتَدَبَّرْ قَوْلَهُ: «وَرُبَّمَا يَسْتَنْكِرُونَ بَعْضَ تَفَرُّدَاتِ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ أَيْضًا» .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ «هَدِيُ السَّارِي» (1/ 437) : فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ رَاوِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: فِي حَدِيثه شَيْءٌ، يَرْوِي أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ.
قَالَ الْحَافِظُ: «الْمُنْكَرُ» أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى الْحَدِيثِ الْفَرْدِ الَّذِي لَا مُتَابِعَ لَهُ، فَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ اهـ.