فهرس الكتاب
والجواب: أن التسبيح: هو السلب والتنزيه، فتارة يكون بسلب صفات النقص [وتارة بإثبات صفات الكمال. فقولنا: بحمده، لتعيين سلب صفات النقص لأن] من سلب شيئًا فقد أثبت ضده، وأضداد صفات النقص صفات الكمال. فمن نزهه فقد أثبت صفات الكمال، فالباء مثل الباء في قولنا: كتبت بالقلم.
ثم هذا المصدر يحتمل أن يكون مضافًا للفعل أو المفعول أو لا لواحد منهما، بأن يكون الحمد بمعنى المحامد، فتكون إضافة اختصاص، كقوله: {ولا نكتم شهادة الله} فإنه ليس شاهدًا ولا مشهودًا عليه[بل
[فوائد في مشكل القرآن: 186]
أضيف] باعتبار شرعه إياها، والأول أحسن، ويكون المعنى: بحمدك نفسك احترازًا من مذهب الفلاسفة والحشوية، فإنهم أثنوا على الله تعالى بما لم يثن به على نفسه، بل هو بريء منه.
فالحمد الحق الكامل، حمده نفسه. ويكون أيضًا فيه مبالغة لأن حمدنا إياه في غاية القصور بالنسبة لما يستحقه جلاله وعظمته.
سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (21)
قوله عز وجل: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} ... (21: 2) ما فائدة قوله: «محدث» ؟ مع أن كل شيء أتانا فهو محدث، لأن القديم لا يتصف بالإتيان.
والجواب: أن المحدث والقديم يطلقان على ما قرب عهده وبعد. كقوله تعالى: {كالعرجون القديم} فالمراد هاهنا بالمحدث: ما قرب إنزاله، فتكون فائدة هذه الصفة
[فوائد في مشكل القرآن: 187]
المبالغة في ذمهم، لأن كلام الله سبحانه وتعالى عند أول نزوله له وقع، ووقعه أعظم، والإنابة إليه أتم. فسخريتهم به تكون أعظم من سخريتهم بما تقادم نزوله.
قوله عز وجل: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (21: 22) ... فيه إشكال، لأنه ذكره بعد قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} (21: 21) ليبطل قولهم. وهذا لا يبطله لأن الملازمة بين الفساد والإله الثاني إنما يصدق إذا كان الإله الثاني تامًا حتى يلزم التمانع، وهم لم يدعوا إلا ربوبية أصنام. يقولون إنها تقربنا إلى الله زلفى، أما إلهان تامان، فلم يقل به أحد من أهل الملل فما قالوا به لا تبطله الآية، وما تبطله الآية لم يقولوا به.
وكذلك قوله عز وجل: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} ، قيل: إن الحق: الله عز
[فوائد في مشكل القرآن: 188]
وجل. وقيل: القرآن. وأيا ما كان فالملازمة مشكلة.
قوله عز وجل: {كل في فلك يسبحون} (21: 33) فيه ثلاثة أسئلة:
أحدها: لم قال: «في فلك» ؟ والشمس والقمر في فلكين. فالقمر في سماء الدنيا والشمس في الفلك الرابع.
الثاني: أنه أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟