مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
قال شيخنا وسيدنا شيخ شيوخ الأنام، مؤيد الإسلام، مقتدى الأئمة الأعلام، عمدة العلماء الراسخين، قدوة الفقهاء والقرَّاء والمفسرين، خاتمة المجتهدين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، شمس الشريعة والتقوى والدين، محمد بن محمد بن محمد بن الجزري أبو الخير العربي الشافعي، خلد الله تعالى ظلال إفادته وإفاضته على المسلمين:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} [الكهف: 18/ 1 - 2] ولم يعجل على عباده ليكون بين يدي نذره مقدمًا. نزله معجزًا مفحمًا، وفصله متشابهًا ومحكمًا، وفضله على الكتب، فجاء به آخرًا، أوجب له تقدمًا، منع سور سوره أن يستباح له حماه، وسطح نور آياته فلم يدع مظلمًا، فأنطق من خَرسَ، وأسمع من صَمِم وبصر من عمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يقر بها من كان مسلمًا ويقر بها الإيمان، وأصله في الأرض وفرعه في السماء قد سما. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل من تلقى عن ربه كتابًا محكمًا. أعجز الإنس والجن، فلم يقدروا على أن يأتوا بعشر كلمات مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، محكمًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تزيد على السحاب إذا همى، والبحر إذا طما، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فبينا نحن في مجلس حافل اجتمع فيه زمرة من الأماثل، سلطان كامل، وجمع من العلماء والفضلاء، وطائفة من الأمراء والوزراء، أعز الله تعالى بهم الإسلام، وجمل بوجودهم الأيام، ونفع بسبب وجودهم الأنام.
مجلس حافلٌ بليل بهيم *** نورهم فاق فيه ضوء النهار
كيف والملك ذو العلم والفهـ *** ـم وحسن الإدراك والإدراك
فانجر الكلام إلى إعجاز كتاب الله العزيز، وما ذكر فيه من وجوه البلاغة والتعجيز، فذكر بعض الحاضرين قوله تعالى:
{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ... } [هود 11/ 44] الآية وأن الإمام السكاكي بلغ فيها الغاية. فأشير إلي بالكلام عليها، فذكرت حينئذ ما فيه كفاية. وربما كثر البحث عن ذلك وطال، وكاد المجلس أن ينكد بالملال. قلت: نأتي غدًا إن شاء الله بتتمة المقال.
ثم بدا لي أن أكتب على هذه الآية الكريمة ما فتح الله تعالى عليَّ فيه من الفوائد، وما ادخر لي من الفرائد، التي يردى الصدر منها ألف وزائد، من نكت لا تعد، ولطائف لا تحصى كثرة ولا تحد.