من (وجهين) : الأول: (قال كثير من المفسِّرين) إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم (بأربعين سنة قبل الغرق) فلم يغرق إلا من بلغ سنه إلى الأربعين. ولقائل أن يقول: لو كان (الأمر) على ما ذكرتم لكان ذلك آية عجيبة قاهرة، ويبعد مع ظهورها استمرارهم على الكفر.؟ وأيضًا فهب أنكم ذكرتم ما ذكرتم فيما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها (البتة) .
والجواب الثاني: وهو الحق أنه لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ... } .
وأما المعتزلة فهم يقولون: إنه تعالى (أغرق) الأطفال والحيوان، وذلك يجري مجرى إذنه تعالى في ذبح هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة الشديدة.
وأما قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} ، فالمعنى: استوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجُودي وكان ذلك الجبل جبلًا منخفضًا، فكان استواء السفينة عليه دليلًا على انقطاع مادَّة الماء وكان ذلك الاستواء يوم عاشوراء.
وأما قوله تعالى: {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ففيه وجهان: الأول: أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد. والثاني: أن يكون ذلك القول من كلام نوح -عليه السلام- وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام لأنه جار مجرى الدعاء عليهم. فجعله من كلام البشر أليق، والله تعالى أعلم». انتهى كلامه.
وفيه أيضًا تعقيبات ومواضع يحتاج إلى التنبيه عليها نذكرها إن شاء الله تعالى.
وقال الأستاذ السكاكي: والنظر في هذه الآية من أربع جهات، (من جهة) علم البيان (و) من جهة علم المعاني، وهما مرجعا البلاغة ومن جهة الفصاحة المعنويَّة، ومن جهة الفصاحة اللفظية.
أما النظر فيها من جهة علم البيان، وهو النظر ما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها، فنقول: إنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى: أردنا أن نرد ما انفرج من الأرض إلى بطنها فارتدّ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن يغيض الماء النازل من السماء، فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدنا من إغراق قومه فقضي، وأن نُسوِّي السَّفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظَّلمة غرقى، بنى الكلام على تشبيه المراد بالمأمور الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان، وتشبيه تكوينه المراد بالأمر الجزم النافذ في
(تكوُّن) المقصود تصوريًا لاقتداره العظيم، وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته إيجادًا وإعدامًا، ولمشيئته فيها تغييرًا وتبديلًا وكأنَّها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علمًا بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، (وتصوروا) مزيد اقتداره، فعظُمتْ مهابته في نفوسهم، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم، فكما يلوح لهم إشارته كان