حيث كان آنذاك قد تزوج واستوطن واستقر بمدينة تطوان، فقصدت بيته فوجدته غارقًا في كتبه منشغلًا بطباعة شيء في حاسوبه،-لعله كتابه: (حكم الصلاة خلف الإمام المبتدع ... ) -، فوجدت مكتبته ضخمة جدًا فيها من كل بستان علمي زهرةً، ومنذ ذلك الوقت توثقت صِلاتنا، فوجدت فيه الأخ المحب الصادق، وطالب العلم الذي لا يفتر عن الطلب والتأليف ليل نهار، والداعية الذي يطوف ويجوب البلاد ناشرًا كلمة الحق، والسنيّ الصارم الذي يقرع البدعة وأصحابها، والعالم القوال بالحق الذي لا يخشى في الله لومة لائم، ولو أدى به ذلك للمهالك، ولا يقبل المساومات مهما كانت مُغرية، وإن كانت فيه حدة أهل الريف، وصلابة بني ورياغل، فإنه سريع الفيْئَة والرجوع، بعيد عن الحقد، يغضب وينفعل في مناظراته، لكن ذلك ينتهي بمجرد انتهاء الموقف، وقصده البحث عن الحق لا غير، وقد سافرنا سويًا عدة مرات، واجتمعنا في العسر واليسر، فوجدت فيه الوفاء والشهامة والكرم والتضحية.
وإن أنسى فلا أنسى لأخينا وصديقنا العلامة أبي الفضل عمر بن مسعود الحدوشي-فك الله أسرنا جميعًا-أمرين اثنين:
1 -الأول: حفاوته البالغة بوالدي الدكتور علي الكتاني-رحمه الله ووالديه-حين كان ينزل عليه عند مروره بالأندلس أعادها الله دار إسلام.
2 -والثاني: سرعة مجيئه لتعزيتي فور علمه بوفاة والدي-رحمه الله تعالى، ووالديه-حتى إني ظننته قد بات معنا في الرباط-جزاه الله عنا خير الجزاء-.
ثم دار الزمان دورته حيث حلت المحنة العظمى بالمسلمين في المغرب بعد أحداث 16 ماي سنة: (1423 هـ) ، التي أنكرناها ولم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل، فسجن فيها آلاف الشباب المسلم، ومعهم عدد من العلماء الصادقين، وطلبة العلم الربانيين فإذا بالزنزانة تجمعني مع أخي الشيخ العلامة أبي الفضل-حفظه الله-بعد ما جمعنا الفضاء الواسع، فإذا الشيخ الفاضل الشهم هو هو لم يتغير ولم يتنازل قيد أنملة.