فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"طوبى للغرباء"، فهي غربة بالنسبة للواقع [1] ، أي: لندرتهم وقلتهم بين غثاء ضال، أما في عالم الضمير والشعور، فإن للمؤمن الفرد من إيمانه أنيسًا ورفيقًا وخليلًا يُبعد-هذا الشعور-الغربة) [2] .
وقال العلامة المحقق النحرير الحافظ ابن القيم:(لا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف:"عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين"وكلما استوحشت في تفردك؛ فانظر إلى الرفيق السابق.
واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئًا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم [3] ، فإنك متى التفت إليهم أخذوك، وعاقوك) .
والملتفت لنعيق الباطل كالظبي، و (الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به، التفت إليه، فيضعف سعيه، فيدركه الكلب، فيأخذه) [4] .
وفي هذا المعنى يقول الأستاذ الأديب المقتدر، والمجاهد المنتصر سيد قطب [5] -رحمه الله تعالى-:
أخي فامض لا تلتفت للوراءْ [6] * طريقك قد خَضَّبَتْه الدماءْ
(1) -وإبليس يضحك على كثير من الشباب بهذه المقولة الفجة: (أنت أكبر أم الواقع؟) . للأسف قد صارت هذه المقولة من الأمثال التي لا تتغير عند كثير من المغفلين، مع أنها مثل مقولة التي ختم بها الشيطان على قلب النائم:
(عليك ليل طويل فارقد) ، ذو الهمة العالية، والنفس التواقة لا يعترض بشيء اسمه: (أمر الواقع) ، ولا (المستجدات العصرية) ولا (الظروف) لأن الواقع والمستجدات والظروف ينبغي أن تنزل إلى الشرع وتخضع له-رغمًا عنها-لا العكس. تأملوا هذا جيدًا.
(2) -انظر: (المنطلق) (ص:236) للأستاذ: محمد أحمد الراشد، و (علو الهمة) (ص:43) .
(3) -لأنهم لا فرق بينهم وبين قطاع الطريق، بل: هم أخبث.
(4) -انظر: (مدارج السالكين) (1/ 21/22) ، و (علو الهمة) (ص:44) .
(5) -ومما قلت في العلامة الأديب المطلع البارع (الشهيد) سيدنا سيد:
فَذِكْرُه في لساني # وحُبُّه في جَناني!
وطيفُه في خَيالي # وإنْ نأى عن عِياني!
كتبه عمر بن مسعود بن عمر بن حدوش الحدوشي بزنزانته الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان بتاريخ: 12 صفر 1428 هـ.
(6) -لعله أخذ هذا من قول النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لسيدنا علي حين أعطاه الراية في خيبر: (امض ولا تلتفت) . انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات مشاهير الأعلام) (2/ 353) ، و (فتح الباري) (7/ 464) ، و (دلائل النبوة) للبيهقي (4/ 197) ، و (زاد المعاد) (3/ 317) ، و (السيرة النبوية) (3/ 244) لابن كثير، و (سيرة ابن هشام) (3/ 791) .