مَبَاهِجُ التَّكْمِيلِ وَمَنَاهِجُ التَّعْلِيلِ لصِحَّةِ حَدِيثِ: الْمَرْءُ عَلَى دِينِ الْخَلِيلِ
-الله -
الْحَمْدُ للهِ وَلِي الْمُؤْمِنِينَ. الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} . وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَتَمَّانِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ. الدَّاعِي إلَى سَبِيلِ الْحَقِّ بِهَدْيِهِ وَفِعْلِهِ وَقِيلِهِ. وَالْقَائِلِ تَنْبِيهًَا وَتَحْذِيرًَا «الْمرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» . لِيَنْظُرَ الْمَرْءُ مَنْ يُخَالِلْ. فَلا يَخْتَارُ لِخُلَّتِهِ إِلاَّ التَّقِيَّ الْعَاقِلَ الْكَامِلْ.
وَبَعْدُ ..
قَالَ الإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيْحَاُ طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيْحًَا خَبِيثَةً» .
فَإِذَا كَانَ الْخَلِيلُ كَرِيْمَ الأَخْلاقِ شَرِيفَ الأَعْرَاقِ، حَسَنَ السِّيرَةِ طَاهِرَ السَّرِيرَةِ، فَبِهِ فِي مَحَاسِنِ الشِّيَمِ يُقْتَدَي، وَبِنَجْمِ رُشْدِهِ فِي طَرِيقِ الْمَكَارِمِ يُهْتَدَي، وَإِذَا كَانَ سَيْئَ الأَعْمَالِ خَبِيثَ الأَقْوَالِ كَانَ الْمُغْتَبِطُ بِهِ عَلَى شَاكِلَتِهِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه: إِذَا رَزَقَكَ اللهُ مَوَدَّةَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَتَشَبَّثْ بِهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - لابْنِهِ الْحَسَنِ: الأَخُ رُقْعَةٌ فِي ثَوْبِكَ فَانْظُرْ بِمِنْ تُرَقِّعُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لِوَلَدِهِ: يَا بُنِي؛ احْذَرْ مُصَاحَبَةَ ذَوِي الطِّبَاعِ الْمَرْذُولَةِ لِئَلا تَسْرِقَ طِبَاعُكَ طِبَاعَهُمْ، وَأَنْتَ لا تَشْعُرُ.
وَأَوْصَى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ أَخًَا لَهُ، فَقَالَ: أَيْ أُخِيَ، آخِ الْكَرِيْمَ الأُخُوَّةِ، الْكَامِلَ الْمُرُوءةِ، الَّذِي إِنْ غَبْتَ خَلَفَكَ، وَإِنْ حَضَرْتَ كَنَفَكَ، وَإِنْ لَقِيَ صَدِيقَكَ اسْتَزَادَهُ، وَإِنْ لَقِيَ عَدُّوَكَ كَفَّهُ، وَإِنْ رَأَيْتَهُ ابْتَهَجْتَ، وَإِنْ أَتَيْتَهُ اسْتَرَحْتَ.
وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ كَثِيْرًَا مَا يَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
أُبْلُ الرِّجَالَ إِذَا أَرَدْتَ إِخَاءهُمْ ... وَتَوَسَّمَنَّ إِخَاءهُمْ وَتَفَقَّدِ
فَإِذَا وَجَدْتَ أَخَا الأَمَانَةِ وَالتُّقَى ... فَيِهِ الْيَدَيْنِ قَرِيرَ عَيْنٍ فَاشْدُدِ
كَمْ مِنْ صَدِيقٍ فِي الرَّخَاءِ مُسَاعِدٌ وَإِذَا أَرَدْتَ حَقِيقَةً لَمْ تُوجَدِ
وَمِمَّا يُسْتَجَادُ مِنْ شِعْرِ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ:
أَخُوكَ الَّذِي لا يَنْقُضُ الدَّهْرَ عَهْدَهُ ... وَلا عِنْدَ صَرْفِ الدَّهْرِ يَزَوَّرُ جَانِبُهْ
فَخُذْ مِنْ أَخِيكَ الْعَفْوَ وَاغْفَرْ ذُنُوبَهُ ... وَلا تَكُ فِي كُلِّ الأُمُورِ تُجَانِبُهْ
إذَا كُنْتُ فِي كُلِّ الأُمُورِ مُعَاتِبًَا ... صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لا تُعَاتِبُهْ
إذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرِبْ مِرَارًَا عَلَى الْقَذَى ... ظَمِئْتَ وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُهْ
وَكَتَبَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ إلَى صَدِيقٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ أَخٌ مُوَافِقٌ لَكَ، فَلْيَكُنْ مِنْكَ مَكَانَ سَمْعِكَ وَبَصَرِكَ، فَإِنَّ الأَخَ الْمُوَافِقَ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِدِ الْمُخَالِفِ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ قَصَّرَ فِي طَلَبِ الإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفَرَ بِهِ مِنْهُمْ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: عَلَيْكُمْ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ فَاكْتَسِبُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ زَيْنٌ فِي الرَّخَاءِ، وَعُدَّةُ عِنْدَ الْبَلاءِ.
وَسُئِلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أيُّ الْكُنُوزِ خَيْرٌ؟، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدَ تَقْوَى اللهِ فَالأَخُ الصَّالِحُ.
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ لابْنِهِ: يَا بُنِيَّ، لا تُوَاخِ أَحَدًَا حَتَّى تَعْرِفَ مَوَارِدَ أُمُورِهِ وَمَصَادِرَهَا، فَإِذَا اسْتَبْطَنْتَ الْخَبَرَ، وَرَضِيتَ مِنْهُ الْعِشْرَةَ، فَآخِهِ عَلَى إِقَالَةِ الْعَثْرَةَ، وَالْمُؤَاسَاةِ عِنْدَ الْعُسْرَةِ.