فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 67

وكانَ يَعْصِبُ على بَطنِهِ الْحَجَرَ من الْجُوعِ [1] ، وقدْ آتاهُ اللَّهُ مَفاتيحَ خَزائنِ الأرضِ كُلِّها، فأَبَى أنْ يَأْخُذَها واختارَ الآخِرَةَ عليها.

وكانَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ ويُقِلُّ اللَّغْوَ، ويُطيلُ الصلاةَ ويَقْصُرُ الْخُطْبَةَ [2] .

أَكْثَرُ الناسِ تَبَسُّمًا، وأَحْسَنُهُم بِشْرًا، معَ أنَّهُ كانَ مُتواصِلَ الأحزابِ دائمَ الفِكْرِ.

وكانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، ويَكْرَهُ الريحَ الكَريهةَ.

يَستأْلِفُ أهلَ الشرَفِ، ويُكْرِمُ أهلَ الْفَضْلِ، ولا يَطْوِي بِشْرَهُ عنْ أَحَدٍ، ولا يَجْفُو عليهِ.

يَرَى اللَّعِبَ الْمُباحَ فلا يُنْكِرُهُ.

يَمْزَحُ ولا يَقولُ إلَّا حَقًّا، ويَقْبَلُ مَعذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ إليهِ.

لهُ عَبيدٌ وإِماءٌ لا يَرتَفِعُ عليهم في مَأْكَلٍ ولا مَلْبَسٍ.

لا يَمْضِي لهُ وَقتٌ في غيرِ عملٍ للَّهِ، أوْ فيما لا بُدَّ لهُ ولأَهْلِهِ منهُ.

رَعَى الغَنَمَ، وقالَ: (( مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا ) ) [3] .

وسُئِلَتْ عائشةُ رَضِيَ اللَّهُ عنها عنْ خُلُقِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَتْ:"كانَ خُلُقُهُ القرآنَ" [4] ، يَغْضَبُ لغَضَبِهِ، ويَرْضَى لرِضَاهُ.

وصَحَّ عنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ:"ما مَسَسْتُ دِيبَاجًا ولا حَريرًا أَلْيَنَ منْ كَفِّ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا شَمَمْتُ رائحةً قطُّ كانتْ أَطْيَبَ منْ رائحةِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولقدْ خَدَمْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنينَ، فما قالَ لي: أُفٍّ، قطُّ، ولا لشيءٍ فعْلْتُهُ: لمَ فَعَلْتَ كذا؟ ولا لشيءٍ لمْ أَفْعَلْهُ: أَلا فَعَلْتَ كذا وكذا؟" [5] .

قدْ جَمَعَ اللَّهُ تعالى لهُ كَمالَ الأخلاقِ، ومَحاسِنَ الأفعالِ، وآتاهُ اللَّهُ تعالى عِلْمَ الأَوَّلِينَ والآخِرينَ [6] ، وما فيهِ النجاةُ والفوزُ، وهوَ أُمِّيٌّ لا يَقرأُ ولا يَكتُبُ. ولا مُعَلِّمَ لهُ من الْبَشَرِ، نَشَأَ في بِلادِ الْجَهْلِ والصَّحَارِي.

(1) انظُرْ: (صحيحَ البخاريِّ) (4101) ، و (صحيحَ مسلمٍ) (3/ 1614) .

(2) جزءٌ منْ حديثٍ رواهُ النَّسائيُّ (3/ 108 - 109) وغيرُهُ.

(3) رواهُ البخاريُّ (2262) ، (5453) ، ومسلمٌ (2050) ، وأحمدُ في (المسنَدِ) (3/ 336) منْ حديثِ جابرٍ.

(4) رواهُ مُسلمٌ (746) ، وأبو دَاودَ (1342) ، والنَّسائيُّ (3/ 199) ، وأحمدُ في (المسنَدِ) (6/ 54، 91، 163) ، والدارِميُّ في (سُنَنِهِ) (1/ 344، 345) .

(5) انظُرْ: (صحيحَ البخاريِّ) (3561) و (مسلمٍ) (2309) ، و (سُنَنَ أبي دَاوُدَ) (4774) .

(6) هذهِ العِبارةُ مُجْمَلَةٌ، وفيها عُمومٌ، ولو اقْتَصَرَ على قولِهِ: آتَاهُ اللَّهُ مِن الْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، أوْ نحوًا منْ ذلكَ لكان أَحْسَنَ؛ فإنَّ مِنْ عِلْمِ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ ما لا يَعْلَمُهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بلْ ومن الأمورِ التي كانتْ في زَمانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودلائلُ هذا وَاضِحَةٌ بحمدِ اللَّهِ.

منها: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن الروحِ، فأَوْحَى اللَّهُ إليهِ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [سورة الإسراءِ، الآيَةُ: 85] . وسُئِلَ عنْ أهلِ الكهْفِ، فقالَ: (( أُخْبِرُكُمْ غَدًا ) )، فتَأَخَّرَ الوحيُ عنهُ، فحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لذلكَ، ثمَّ أُوحِيَ إليهِ نَبَؤُهُم وقولُهُ تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [سورة الكهفِ، الآيتانِ: 23، 24] . وسُئِلَ عن الساعةِ، فنَفَى عِلْمَهُ بها بقولِهِ: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ) )، وقالَ تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [سورة الأحزابِ، الآيَةُ: 63] . وفي قِصَّةِ شَرْعِ التَّيَمُّمِ في (صحيحِ البخاريِّ) (334) لَمَّا بَحَثُوا عنْ عِقْدِ عائشةَ ولم يَجِدُوهُ والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معهم، ثمَّ عَلِمُوا أنَّهُ تحتَ البعيرِ لَمَّا قامَ.

وبالجُملةِ؛ فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَعلَمُ إلَّا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، معَ ما آتاهُ اللَّهُ من العِلْمِ والحِكمةِ ومَزيدِ الفَضلِ والشرَفِ ما لمْ يُؤْتِ أَحَدًا من العالمينَ صلواتُ اللَّهِ عليهِ وسلامُهُ إلى يومِ الدينِ.

ولعلَّ هذا هوَ مُرادُ المُؤَلِّفِ بتلكَ العِبارةِ، ولكنْ نَبَّهْتُ إليهِ؛ لأنَّ في العِبارةِ إِجمالًا، ولِظَنِّ بعضِ الناسِ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعلَمُ من الغَيْبِ ما لمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ مُطْلَقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت