ولما رأى الحفاظ أسلافهم عنوا ... بها دونوها عن أولى الفضل والبر
اللغة: الأسلاف جمع سلف وهم المتقدمون. وعنوا اهتموا يقال عني بالشيء اهتم به، دونوها. أصل التدوين جمع أسماء الجنود وأعطيتها في الديوان وهو الدفتر الجامع لأسماء الجنود وأعطيتها. ثم استعمل في جمع العلوم ووضع قواعدها في الكتب وهو المراد هنا أي جمعوا قواعد هذا العلم وألفوا فيه.
الإعراب: لما هي الرابطة فقيل ظرف بمعنى حين منصوبة بجوابها وهو دونوها وهي مضافة إلى الجملة بعدها. وقيل هي حرف وجود لوجود. ورأي الحفاظ جملة ماضية وأسلافهم مفعول أول وجملة عنوا مفعول ثان لأن الرؤية عليه. وعنوا ماضية مجهولة. وبها متعلق بعنوا. والضمير يعود على الآيات من يث بيان عددها ومباديها ومقاطعها. وعن أولي الفضل متعلق بدونوها لتضمينه معنى الأخذ والنقل. أو بمحذوف حال أي دونوها حال كونهم ناقلين لها عن أولي الفضل أو حال كونها منقولة عنهم. فيكون حالًا من الفاعل أو المفعول.
المعنى: لما رأى حفاظ القرآن عظيم اهتمام أسلافهم من الصحابة والتابعين بعدد الآي وحرصهم على معرفة ذلك نشطت هممهم لجمع قواعد هذا العلم وتأليفها في كتب كما نقلوها عمن قبهلم حتى لا يضيع هذا العلم. ففي هذا البيت بيان الداعي إلى تدوين هذا العلم ووضع قواعده الكلية وهو شدة اهتمام الصحابة بمعرفة عدد
[معالم اليسر: 15]
الآي ومباديها ومقاطعها. وأن أساسه النقل عن الصحابة عن رسول الله عليه السلام نقل كما نقلت حروف القرآن وطرق قراءاته، ينقله كل جيل إلى من بعده حتى وصل إلينا كما وصلت إلينا حروف القرآن ووجوه القراءات. وإذ قد علمت أن العلماء قد عنوا بتدوين هذا العلم ووضع قواعده ينبغي لنا أن نقفك على تعريف هذا الفن وموضوعه وفوائده فنقول.
أما تعريفه: فهو فن يبحث فيه عن سور القرآن وآياته من حيث بيان عدد آي كل سورة ورأس كل آية ومبدئها. وموضوعه سور القرآن وآياته من الحيثية السالفة وأما فوائده فكثيرة. وقد سبق لنا بيان بعضها ونحن نجملها فيما يأتي:
أولًا: يحتاج لمعرفة هذا العلم لصحة الصلاة فقد قال الفقهاء فيمن لم يحفظ الفاتحة يأتي بدلها بسبع آيات.
الثاني: يحتاج إليه للفوز بالأجر الموعود به على قراءة عدد معين في الصلاة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
الثالث: اعتباره سببًا لنوال الأجر الموعود به على تعلم عدد مخصوص من الآيات أو قراءته قبل النوم مثلًا.
الرابع: الاحتياج إليه في معرفة ما يسن قراءته بعد الفاتحة في الصلاة فقد نصوا على أنه لا تحصل السنة إلا بقراءة ثلاث آيات فصار أو آية طويلة ومن يرى منهم وجوب القراءة بعد الفاتحة لا يكتفي بأقل من هذا العدد.
الخامس: اعتبارها لصحة الخطة فقد أوجبوا فيها قراءة آية تامة.
السادس: اعتبارها في الوقف المسنون إذ الوقف على رءوس الآي سنة.
السابع: اعتبارها في الأمالة فإن من القراء من يوجب إمالة رءوس آي سور خاصة في القرآن كرءوس آي سورة «النجم» و «طه» و «الشمس» إلى غير ذلك فإن ورشا وأبا عمرو يقللان رءوس آي هذه السور قولًا واحدًا فلو لم يعلم القارئ رءوس الآي عند المدني الأول والبصري لا يستطيع معرفة ما يقلل لورش باتفاق وما يقلل بالخلاف وكذا أبو عمرو إلى غير ذلك من الفوائد.
[معالم اليسر: 16]
فعن نافع عن شيبة ويزيد أو ... ول المدني إذ كل كوف به يقرى
الأعراب: الفاء لتفصيل قوله عن أولي الفضل والبر. فمن نافع خبر مقدم للمبتدأ المؤخر وهو قوله أول المدني وقوله عن شيبة متعلق بمحذوف حال من نافع وصرف شيبة للضرورة ويزيد عطف على شيبة وإذ ظرف متعلق بالخبر وكل كوف مبتدأ ومضاف إليه وجملة يقرى بمعنى يلقن خبر وبه متعلق بجملة الخبر.