اللغة: الإحراز جعل الشيء في حرز. والمراد به هنا الحفظ. والكوماء بفتح الكاف الناقة السمينة عظيمة السنام وقصر للضرورة وجمعها كوم بضم الكاف والحمر جمع حمراء. وكانت العرب تفضل هذا النوع من الإبل على غيره من المال.
الإعراب: الواو للحال وقد صح جملة حالية من الواو في أثروا وهي حال في معنى العلة يعني أنهم أثروا بأعداد حروف الذكر وآياته لأنه قد صح عنه إلخ. وعنه متعلق يصح والضمير في عنه للرسول صلى الله عليه وسلم وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر فاعل صح والتقدير وقد صح عنه فضل إحراز آية على كوماء من الإبل صفة كوماء والحمر صفة الإبل.
المعنى: قد ثبت بالأحاديث الصحيحة والآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعلم آية من كتاب الله تعالى أفضل من ناقة سمينة عظيمة السنام كائنة من الإبل الحمر التي هي خير أموال العرب. ومن ذلك ما روى عن عقبة بن عامر الجهني يقول خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق - وكلاهما موضع بالمدينة - فيأتي كل يوم بناقتين كتو ماوين زهراوين يأخذهما في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قال فقلنا كلنا يا رسول الله يحب ذلك قال فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل - الحديث
[معالم اليسر: 13]
وتلك فائدة ثانية من فوائد معرفة هذا العلم إذ لا يحصل للإنسان العمل بهذا إلا بمعرفة العدد وتعلم مبدأ الآية ومنتهاها.
وقصد صح في السبع الثماني وغيرها ... من العد والتعيين ما لاح كالفجر
اللغة: السبع المثاني هي الفاتحة سميت بذلك لأنهما سبع آيات وتثنى وتكرر في الصلاة. ولاح ظهر.
الإعراب: وقد صح عطف على مثلها في البيت السابق والجار والمجرور متعلق بصح.
وقوله وغيرها عطف على السبع المثاني وما فاعل صح وهي اسم موصول أو نكرة موصوفة وجملة لاح صلة أو صفة. ومن العد والتعيين بيان لما. وحال منه. وكالفجر حال من فاعل لاح.
المعنى: قد صح عنه عليه السلام في فاتحة الكتاب وغيرها من السور بيان عدآيها وتعيين مقاطع كل آية بعقد أصابعه عند كل آية منها ونقل عنه ذلك بأسانيد صحيحة ظاهرة كظهور الفجر في وضوحه وقضائه على ظلمة الليل. وكذلك تلك الأسانيد والنصوص لوضوحها تقضي على كل شك وشبهة فمن ذلك ما رواه الداني عن أم سلمة رضي الله عنها سمعت رسول الله يقرأ هذه السورة - الفاتحة - بسم الله الرحمن الرحيم، عقد النبي أصابعه واحدًا يريد آية وعقد آيتين الحمد لله رب العالمين. وعقد ثلاثًا الرحمن الرحيم. وعقد أربعًا مالك يوم الدين. وعقد خمسًا إياك نعبد وإياك نستعين ورفع أصبعًا يريد ستًا إهدنا الصراط المستقيم. ثم رفع أصبعًا آخر يريد سبعًا صراط الذين إلى آخر السورة.
وروى عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثون آية شفعت لرجل حتى أدخلته الجنة سورة الملك. وعن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ثم أدركه الدجال لم يضره. وعن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ فجلس يمسح عن وجهه
[معالم اليسر: 14]
بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران. وفي البخاري. من قرأ الآيتين من آخر البقرة في ليلة كفتاء. آمن الرسول إلى آخر السورة - إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار.
ولا شك أن بيانه عليه السلام بعد الفاتحة وتعيينه الأجر على عدد مخصوص من الآيات من مواضع مخصوصة من السورة من أولها أو آخرها لم يكن عبثا وإنما كان لحفز الهمم إلى معرفة عدد الآي للحصول على ثواب قراءتها وكل ذلك ترغيب في معرفة هذا العلم والإحاطة به.