فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 16

وَأَمَّا عَدْلُهُم فَمِنْ مَضْمُونِهِ أَنَّ اللهَ لَمْ يَشَأْ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ، وَلاَ خَلَقَهَا كُلَّهَا، وَلاَ هُو قَادِرٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا، بَلْ عندَهُمْ أَفْعَالُ العبَادِ لَمْ يَخْلُقْهَا اللهُ لاَ خَيْرَهَا وَلاَ شَرَّهَا، وَلَمْ يُرِدْ إلا مَا أَمَرَ بِهِ شَرْعًا، وَماَ سِوَى ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ بِغَيرِ مَشِيئَتِهِ.

وَقَدْ وَافقَهُمْ عَلَى ذلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ كَالمُفِيدِ، وَأَبِي جَعْفرٍ الطُّوسيِّ وَأَمْثَالِهِمَا. وَلأبي جَعْفَرٍ هَذَا تَفْسِيرٌ عَلَى هَذِهِ الطَّريقَةِ لَكِنْ يَضُمُّ إلى ذلِكَ قَوْلَ الإمَاميَّةِ الاثنى عشريَّةَ، فإنَّ المعتزِلَةَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَلاَ مَنْ يُنْكِرُ خِلاَفَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.

وَمِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ الْخَوَارِجِ إِنْفَاذُ الوَعِيدِ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ في أَهْلِ الكَبَائِرِ شَفَاعَةً، وَلاَ يُخْرِجُ مِنْهُم أَحَدًا مِن النَّارِ.

وَلا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ الْمُرْجِئَةِ وَالكَرَّامِيَّةِ وَالكِلاَبِيَّةِ وَأَتَبَاعِهِمْ فَأَحْسَنُوا تَارَةً وَأَسَاؤُوا أُخْرَى، حَتَّى صَارُوا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ، كَمَا قَدْ بُسِطََ فِي غَيْرِ هَذَا الموضِعِ.

والمقصُودُ أنَّ مثلَ هَؤُلاَءِ اعتقَدُوا رأيًا ثُمَّ حَملُوا أَلْفَاظَ القرآنِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلاَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لاَ فِي رَأْيِهِم وَلاَ فِي تَفْسِِيرِهِم.

وَمَا مِنْ تَفْسِيرٍ مِنْ تَفَاسِيرِهِم البَاطِلَةِ إِلاَ وَبُطْلاَنُهُ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَيْنِ: تَارَةً مِن العِلْمِ بِفَسَادِ قَوْلِِهِم، وَتَارَةً مِنْ العِلْمِ بِفَسَادِ مَا فَسَّرُوا بِهِ القُرْآنَ، إِمَّا دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِم أَوْ جَوابًا عَلَى المُعَارِضِ لَهُم.

وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ العِبَارةِ فَصِيحًا يَدُسُّ البِدَعَ في كَلامِهِ - وأَكْثَرُ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - كَصَاحِبِ الكَشَّافِ وَنَحْوِِهِ، حَتَّى إِنَّهُ يَرُوجُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِمَّنْ لاَ يَعْتَقِدُ البَاطِلَ مِنْ تَفَاسِيرِهِم البَاطِلَةِ مَا شَاءَ اللهُ. وَقَدْ رَأَيْتُ مِن العُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ وَكَلامِهِ مِنْ تَفْسِيرِهِم مَا يُوافِقُ أُصولهَمُ الَّتِي يَعْلَمُ أَوْ يَعْتَقِدُ فَسَادَهَا، وَلا يَهْتَدِي لِذَلِِكَ.

ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ تَطَرُّفِ هَؤُلاَءِ وَضَلالِهِم دَخَلَتِ الرَّافضةُ الإماميَّةُ ثُمَّ الفَلاَسِفَةُ ثُمَّ القَرَامِطَةُ وَغَيْرُهُم فِيمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذلِكَ، وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ في الفَلاَسِفَةِ وَالقَرَامِطَةِ وَالرَّافضةِ؛ فَإِنَّهُم فَسَّرُوا القُرْآنَ بِأَنْواعٍ لاَ يَقْضِي مِنْهَا العَالِمُ عَجَبًا، فَتَفْسِيرُ الرَّافِضَةِ كَقَوْلِهِم: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب ٍ} [سُورَةُ الْمَسَدِ:1] وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! و: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك} [سُورَةُ الزُّمَرُ: 65] أَيْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْخِلاَفَةِ! {إِِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 67] هِيَ عَائِشَةُ! وَ: {قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [سُورَةُ التوبة: 12] طَلْحَةُ وَالزُّبيرُ. و: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 19] عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، و َ: {الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [سُورَةُ الرَّحْمَنِِِِ: 22] الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [سُورَةُ يس:12] فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. و: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [سُورَةُ النَّبَإِ: 1 - 2] عليُّ بنُ أبي طالبٍ. و: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 55] ، هُوَ عَلِيٌّ، وَيَذْكُرُونَ الْحَدِيثَ الْمَوْضُوعَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ تَصَدُّقُه بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلاةِ، وكذلك قولُهُ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 157] ، نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ لمَّا أُصِيبَ بِحَمْزَةََ.

ومِمَّا يُقارِبُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِن الْمُفسِّرِينَ في مِثْلِ قولِهِ: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 17] : إنَّ الصَّابرين رَسُولُ اللهِ، وَالصَّادِقِينَ أَبُو بَكْرٍ، وَالقَانِتِينَ عُمَرُ، وَالْمُنفِقِينَ عُثْمَانُ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ عليٌّ.

وَفِي مِثْلِ قَولِهِ: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} : أَبُو بَكْرٍ. {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} : عُمَرُ. {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} : عُثمانُ. {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} : عليٌّ [سُورَةُ الفَتْحِ:29] .

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِِهِم: {وَالتِّينِ} أَبُو بَكْرٍ، {وَالزَّيْتُونِ} عُمَرُ، {وَطُورِ سِينِينَ} عُثْمَانُ {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} عليٌّ.

وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَارَةً تَفْسِيرَ اللَّفْظِ بِمَا لاَ يَدُلُّ عَليْهِ بِحَالٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظََ لاَ تَدُلُّ عَلَى هَؤُلاَءِ الأَشْخَاصِ ِبحالٍ، وَقَوْلُُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} . كُلُّ ذَلِكَ نَعْتٌ لِلَّذِينَ مَعَهُ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيها النُّحَاةُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أنَّهَا كُلَّهَا صِفَاتٌ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍٍٍِ وَهُم الَّذِين مَعَهُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُرَادًا بِهِ شَخْصًا وَاحِدًا، وَتَتَضَمَّنُ تَارَةً جَعْلَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ العَامِّ مُنْحَصِرًا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِم: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أُرِيدَ بِهَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ بَعْضِهِم: إِنَّ قَوْلَهُ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ.

وَقَوْلُهُ: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت