فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 16

وَتَفْسيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ وَأَمْثَالِهِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَسْلَمُ مِن البِدْعَةِ مِن تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَلَوْ ذَكَرَ كَلاَمَ السَّلَفِ الْمَوْجُودَ فِي التَّفَاسِيرِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُم عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أحسَنَ وَأَجْمَلَ، فَإنَّهُ كثيرًا مَا يَنْقُُُُُُُُُُلُ مِن تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَهُوَ مِن أَجَلِّ التَّفاسيرِ الْمَأْثُورَةِ وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا، ثُمَّ إِنَّهُ يَدَعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَن السَّلفِ لاَ يَحْكِيهِ بِحَالٍ، وَيَذْكُرُ مَا يَزْعُمُ أنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، وَإنَّمَا يَعْنِي بِِهِم طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الكَلاَمِ الَّذِينَ قَرَّرُوا أُصُولَهُم بِطُرُقٍ مِنْ جِنْسِ مَا قَرَّرَتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولََهمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى السُّنَّةِ مِن الْمُعْتَزِلةِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيُعْرَفَ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ التَّفْسِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالأَئِمَّةَ إِذَا كَانَ لَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الآيةِ قَوْلٌ، وَجَاءَ قَوْمٌ وَفَسَّرُوا الآيَةَ بِقَوْلٍ آخَرَ لأَجْلِ مَذْهَبٍ اعْتَقَدُوه - وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَيْسَ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ - صَارُوا مُشَارِكِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِم مِنْ أَهْلِ البِدَعِ مِنْ مِثْلِ هَذَا.

وَفِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِِ الصَّحَابةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِم إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ كانَ مُخْطِِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ.

فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ طُرُقِ العِلْمِ وَأَدِلَّتِهِ وَطُرُقِ الصَّوابِ. وَنَحنُ نَعْلَمُ أَنَّ القرآنَ قَرَأَهُ الصَّحابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ، وَأنَّهُم كَانُوا أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ، كَمَا أَنَّهُم أَعْلَمُ بِالْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُم وَفَسَّرَ القُرآنَ بِخِلاَفِ تَفْسِيرِهِم فَقَدْ أَخْطَأَ فِي الدَّليلِ وَالْمَدْلُولِ جَمِيعًا.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كُلُّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ لَهُ شُبْهَةٌ يَذْكُرُهَا: إِمَّا عَقْلِيَّةٌ، وَإِمَّا سَمْعِيَّةٌ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.

وَالْمَقْصُودُ هُنا التَّنبيهُ عَلَى مَثَارِ الاخْتِلافِ فِي التَّفسيرِ، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهِ البِدَعَ البَاطِلَةَ الَّتِي دَعَتْ أَهْلَهَا إِلَى أَنْ حَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَفَسَّرُوا كَلامَ اللهِ وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ مَا أُرِيدَ بِهِ، وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ.

فَمِنْ أُصُولِ العِلْمِ بِذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ القَوْلَ الَّذِي خَالَفُوه وَأنَّهُ الْحَقُّ، وَأَنْ يَعْرِفَ أنَّ تَفْسِيرَ السَّلفِ يُخَالِفُ تَفْسِيرَهُم، وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ تَفْسيرَهُمْ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ، ثُمَّ أَنْ يَعْرِفَ بِالطُّرُقِ الْمُفَصَّلَةِ فَسَادَ تَفْسِيرِهِمْ بِمَا نَصَبَهُ اللهُ مِن الأَدِلَّةِ عَلَى بَيَانِ الْحَقِّ.

وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِن الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِهِ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَ فِيمَا صَنَّفُوهُ مِنْ شَرْحِ القُرْآنِ وَتَفْسَِيرِهِ.

وَأَمَّا الَّذِين يُخْطِئُونَ فِي الدَّليلِ لاَ فِي الْمَدْلُولِ: فَمِثْلُ كَثِيرٍ مِن الصُّوفيَّةِ وَالوُعَّاظِ وَالفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، يُفَسِّرُونَ القُرْآنَ بِمَعَانٍ صَحِيحَةٍ، لَكِنَّ القُرْآنَ لاَ يَدُلُّ عَلَيْهَا، مِثْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي"حَقَائِقِ التَّفسيرِ". وَإِنْ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَا هُو مَعَانٍ بَاطِلَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي القِسْمِ الأَوَّلِ؛ وَهوَ الْخَطَأُ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ جَمِيعًا، حَيْثُ يَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدُوهُ فَاسِدًا.

فَصْلٌ

فِى أَحْسَنِ طُرُقِ التَّفْسِيرِ

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ:

1 -أَنْ يُفَسِّرَ القُرْآنَ بِالْقُرْآنِ: فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

2 -فَإِنْ أَعْيَاكَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ: فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ، بَلْ قَدْ قَالَ الإِمامُ أَبُوعَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ:"كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِن الْقُرْآنِ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 105] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 44] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُم الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 64] . وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ"يَعْنِي: السُّنَّةَ."

وَالسُّنَّةُ أَيْضًا تَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ كَمَا يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، لاَ أَنَّهَا تُتْلَى كَمَا يُتْلَى. وَقَد اسْتَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُ مِن الأَئِمَةِ، عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَة، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ.

وَالغَرَضُ أَنَّكَ تَطْلُبُ تَفْسِيرَ القُرْآنِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فَمِن السُّنَّةِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ:"بمَ تَحْكُمُ؟"قَالَ: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ:"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟"قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تجِدْ؟ قَالَ: أجتهدُ رَأْيِي"قَالَ: فَضَرَبَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت