68[.وتَدَبُّرُ الكَلامِ بِدُونِ فَهْمِ مَعَانِيهِ لا يُمْكِنُ، وكذلِكَ قالَ تعالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون َ} [سُورَةُ يُوسُفَ: 2 [، وعَقْلُ الكَلامِ مُتَضَمِّنٌ لِفَهْمِهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلامٍ فَالْمَقْصُودُ منْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ، فَالْقُرآنُ أَوْلَى بذلِكَ.
وأَيْضًا فَالْعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَومٌ كِتابًا في فَنٍّ من العِلْمِ كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ، وَلاَ يَسْتَشْرِحُوهُ. فَكَيْفَ بِكَلامِ اللهِ تَعالَى الَّذِي هو عِصْمَتُهُم، وَبِهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ، وَقِيَامُ دِينِهِمْ وَدُنيَاهُمْ؟!
وَلِهَذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحابةِ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ قَلِيلًا جِدًّا، وَهُوَ وَإِنْ كانَ في التَّابعينَ أَكْثَرَ منْهُ في الصَّحابةِ، فهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسبةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَصْرُ أَشْرَفَ كانَ الاجْتِمَاعُ وَالائْتِلاَفُ وَالعِلْمُ وَالبَيَانُ فِيهِ أَكْثَرَ.
ومِنْ التَّابعينَ مَنْ تَلَقَّى جَمِيعَ التَّفسيرِ عَنِ الصَّحابَةِ، كمَا قالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ علَى ابنِ عبَّاسٍ، أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيةٍ منْهُ، وأسألُهُ عَنْهُا، وَلِهَذَا قَالَ الثَّوريُّ:"إِذَا جَاءَكَ التَّفسيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ."وَلِهَذَا يَعتمِدُ علَى تفسيرِهِ الشَّافعيُّ والبخاريُّ وغيرُهُمَا منْ أَهْلِ العِلْمِ، وَكَذَلِكَ الإمَامُ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ في التَّفسيرِ، يُكَرِّرُ الطُّرُقَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّابعينَ تَلَقَّوا التَّفسيرَ عَن الصَّحابَةِ كَمَا تَلَقَّوا عَنْهُمْ عِلْمَ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَكلَّمُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ بِالاسْتِنْبَاطِ وَالاسْتِدْلاَلِ، كَمَا يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِ السُّننِ بِالاسْتِنْباطِ والاسْتِدلالِ.
فَصْلٌ
فِي اخْتِلافِ السَّلَفِ فِي التَّفسِيرِ، وَأنَّهُ اخْتِلافُ تَنَوُّعٍ.
وَالْخِِلاَفُ بَيْنَ السَّلفِ في التَّفسيرِ قَلِيلٌ، وَخِلافُهُم في الأحْكَامِ أَكْثَرُ منْ خِلافِهِمْ في التَّفسيرِ، وغَالبُ ما يَصِِحُّ عَنْهُمْ من الخِلافِ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَفِ تَنَوُّعٍ لاَ اخْتِلاَفِ تَضَادٍّ، وَذَلِكَ صِنْفَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمْ عَنِ المُرَادِ بعبارَةٍ غَيرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ، تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى في المُسَمَّى غَيرِ الْمَعنَى الآخَرِ، مَعَ اتِّحادِ الْمُسَمَّى، بِمنْزِلَةِ الأَسْمَاءِ الْمُتَكَافِئَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ، كَمَا قِيلَ في اسْمِ السَّيفِ: الصَّارمُ والْمُهَنَّدُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى، وَأَسْمَاءِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسْمَاءِ القُرْآنِ؛ فَإنَّ أَسْمَاءَ اللهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى واحِدٍ.
فَلَيْسَ دُعَاؤُهُ بِاسْمٍ منْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُضَادًّا لِدُعائِهِ بِاسْمٍ آخَرَ، بَلْ إِنَّ الأَمْرَ كَمَا قَالَ تعالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ} [سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 110 [وَكُلُّ اسْمٍ منْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ علَى الذَّاتِ المُسَمَّاةِ وعلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الاسْمُ؛ كَالْعَليمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ والعِلْمِ، وَالقَدِيرِ يَدُلُّ علَى الذَّاتِ والقُدْرَةِ، والرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ والرَّحمةِ.
ومَنْ أَنكَرَ دِلاَلَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظَّاهرَ فَقَولُهُ منْ جِِنْسِ قَوْلِ غُلاةِ البَاطِنِيَّةِ القَرَامِطَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا يُقالُ هُوَ حَيٌّ وَلا لَيْسَ بحَيٍّ، بَلْ يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقيضَيْنِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ القَرَامِطَةَ البَاطنيَّةَ لا يُنْكِرُونَ اسْمًا هُوَ عَلَمٌ مَحْضٌ كَالمُضْمَراتِ، وَإنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا في أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى منْ صِفَاتِ الإثْبَاتِ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَقْصُودِهِمْ كانَ - مَعَ دَعْوَاهُ الْغُلُوَّ فِي الظَّاهِرِ - مُوَافقًا لِغُلاَةِ الباَطنيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلكَ.
وَإنَّما المقصودُ أنَّ كُلَّ اسْمٍ منْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ، وَعَلَى مَا فِي الاسْمِ منْ صِفَاتِهِ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي في الاسْمِ الآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.
وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ: مُحَمَّدٍ، وَأَحمَدَ، والمَاحِي، وَالْحَاشِرِ، وَالعَاقِبِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ القرآنِ مِثْلُ: القُرْآنِ، وَالفُرْقاَنِ، وَالهُدَى، وَالشِّفَاءِ، والبَيَانِ، وَالكِتَابِ، وأمْثَالِ ذلِكَ.
فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ تَعْيِينَ المُسمَّى عبَّرْنَا عَنْهُ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ إِذَا عُرِفَ مُسمَّى هَذَا الاسْمِ، وقَدْ يَكُونُ الاسْمُ عَلَمًا، وَقَدْ يَكُونُ صِفَةً، كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قولِهِ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} [سُورَةُ طه: 124] ، مَا ذكرُهُ؟ فيُقَالُ لَه: هُوَ القُرْآنُ مَثَلًا، أَوْ مَا أَنْزَلَهُ من الكُتُبِ، فَإِنَّ الذِّكْرَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ تَارَةً يُضَافُ إِلَى الفَاعِلِ، وَتَارَةً إِلَى الْمَفعُولِ، فَإِذَا قِيلَ: ذِكْرُ اللهِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، كَانَ مَا يُذْكَرُ بِهِ؛ مِثْلُ قوْلِ العَبْدِ: سُبْحَانَ اللهِ، والحمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ. وإِذَا قِيلَ: بِالْمَعْنَى الأَوَّلِ، كَانَ مَا يذكُرُهُ هُوَ، وهُوَ كلامُهُ، وهَذَا هُوَ المُرادُ في