فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 16

الكَلالَةِ نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَإِنَّ قولَهُ: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 49 [، نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضيرِ. وَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [سُورَةُ الأَنْفَالِ: 16 [، نزلَتْ في بَدْرٍ، وَإِنَّ قولَهُ: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 106 [نَزَلََتْ فِي قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الدَّاريِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ. وَقَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: 195] نَزَلََتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ... الحديثُ. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ ممَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَوْمٍ من الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي قَوْمٍ منْ أَهْلِ الكِتَابِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ فِي قَومٍ منْ الْمُؤمِنِينَ. فَالَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الآيةِ مُختَصٌّ بِأُولئِكَ الأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهِم، فَإِنَّ هَذَا لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَلاَ عَاقِلٌ عَلَى الإِطْلاَقِِ.

وَالنَّاسُ وَإنْ تَنَازَعُوا فِي اللَّفْظِ العَامِّ الوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ، هَلْ يَختَصُّ بِسَبَبِهِ أَمْ لاَ؟ فلمْ يَقُلْ أحَدٌ منْ علمَاءِ المسلمينَ: إنَّ عُمُومَاتِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ الْمُعيَّنِ، وَإنَّمَا غَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهَا تَخْتَصُّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الشَّخصِ؛ فتَعُمُّ مَا يُشْبِهُهُ. وَلاَ يَكُونُ العُمُومُ فِيها بِحَسْبِ اللَّفْظِ.

وَالآيَةُ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ إِنْ كَانَتْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمنْزِلَتِِهِ. وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذلكَ الشَّخصِ وَلِمنْ كَانَ بِمنْزِلَتِهِ.

ومَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزولِ تُعِينُ عَلَى فَهْمِ الآيةِ؛ فَإِنَّ العِلْمَ بِالسَّببِ يُورِثُ العِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَي الفُقَهَاءِ أنَّهُ إِذَا لَمْ يُعرَفْ مَا نَوَاهُ الحالِفُ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ يَمِينِهِ وَمَا هَيَّجَهَا وَأَثارَهَا. وَقَولُُهم: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ في كَذَا يُرَادُ بِهِ تَارَةً أنَّهُ سببُ النُّزولِ، ويُرَادُ بِهِ تارَةً أنَّ هَذَا دَاخِلٌ في الآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُن السَّبَبَ. كَمَا تَقُولُ عَنَى بِهَذِهِ الآيةِ كَذَا.

وقَدْ تَنازَعَ العُلَمَاءُ في قَوْلِ الصَّاحبِ:"نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا"وَهَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ - كَمَا لَوْ ذُكِرَ السَّببُ الَّذِي أُنْزِلَتْ لأجْلِهِ - أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّفسيرِ منْهُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْنَدٍ، فَالبُخَاريُّ يُدْخِلُهُ في الْمُسْنَدِِ، وَغَيرُهُ لاَ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَكْثرُ الْمَسَانِيدِ عَلَى هَذَا الاصْطِلاحِ كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ وغيرِهِ، بِخلافِ مَا إِذَا ذَكَرَ سَببًا نزلَتْ عَقبَِهُ، فإنَّهُم كُلَّهُمْ يُدْخلُونَ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُسْنَدِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُ أَحَدِهِم:"نَزَلَتْ في كَذَا"لاَ يُنَافِي قَوْلَ الآخرِ:"نزَلَتْ في كَذَا"؛ إِذَا كَانَ اللفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ في التَّفسيرِ بِالمِثَالِ. وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُم لَهَا سَبَبًا نَزلَتْ لأجْلِهِ، وَذَكَرَ الآخرُ سَبَبًا، فَقَدْ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الأسْبَابِ، أَوْ تَكُونَ نَزَلَتْ مَرَّتينِ؛ مَرَّةً لِهَذَا السَّببِ، وَمَرَّةً لِهَذَا السَّببِ. وَهَذَانِ الصِّنفانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا في تَنَوُّعِ التَّفسيرِ - تارَةً لتنوُّعِ الأسماءِ والصِّفاتِ، وَتَارةً لِذِكْرِ بَعْضِِ أنواعِ المسمَّى وأَقْسَامِهِ كَالتَّمثيلاتِ - هُمَا الغَالِبُ فِي تَفْسِيرِ سَلَفِ الأُمَّةِ الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ!!

وَمن التَّنازُعِ الْمَوْجُودِ عَنْهُمْ مَا يَكُونُ اللَّفْظُ فِيه مُحْتَمِلًا لِلأَمْرَينِ، إِمَّا لِكَونِهِ مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَةِ كَلَفْظِ: {قَسْوَرَةٍ} الَّذِي يُرَادُ بِهِ الرَّامِي ويُرادُ بِهِ الأَسَدُ، وَلَفْظِ: {عَسْعَسَ} الَّذِي يُرادُ بِهِ إِقْبالُ اللَّيْلِ وَإِدْبَارُهُ. وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئًا فِي الأَصْلِ، لَكِنَّ المُرادَ بِهِ أَحَدُ النَّوعَيْنِ، أَوْ أَحَدُ الشَّيئينِ؛ كَالضَّمائرِ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [سُورَةُ النَّجْمِ: 8 - 9] .

وكَلَفْظِِ: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [سُورَةُ الْفَجْرِ: 1 - 3] ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَمِثْلُ هَذَا قَدْ يُرادُ بِهِ كُلُّ الْمَعَانِي الَّتِي قَالَهَا السَّلفُ، وقَدْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ.

فَالأَوَّلُ: إمَّا لِكَوْنِ الآيةِ نَزَلَتْ مَرَّتينِ فَأُرِيدَ بِهِا هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَيَاهُ، إِذْ قَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَكْثرُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ والشَّافعيَّةِ والْحَنْبَلِيَّةِ، وَكَثِيرٌ منْ أَهْلِ الكَلامِ، وَإمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِِ مُتَوَاطِئًا فَيَكُُونُ عَامًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِِيصِهِ مُوجِبٌ، فَهَذَا النَّوْعُ إِذَا صَحَّ فِيهِ القَوْلانِ كَانَ من الصِّنْفِ الثَّانِي.

وَمن الأَقْوَالِ المَوْجُودَةِ عَنْهُم ويجعلُهَا بعْضُ النَّاسِ اختِلافًا: أَنْ يُعَبِّرُوا عَن الْمَعَانِي بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ لاَ مُتَرادِفَةٍ، فَإِِنَّ التَّرادُفَ في اللُّغَةِ قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ القُرآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ، وقَلَّ أَنْ يُعبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاه، بَلْ يكُونُ فيهِ تقرِيبٌ لِمَعْنَاهُ، وَهَذَا منْ أَسْبَابِ إِعْجَازِِ القُرْآنِ، فَإِذَا قَالَ القَائلُ: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} [سُورَةُ الطور: 9 [: إنَّ المَوْرَ هو الحَرَكَةُ كانَ تقْرِيبًا؛ إذ المَوْرُ حركَةٌ خفيفَةٌ سريعَةٌ. وكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: الوَحْيُ الإعْلامُ، أَوْ قِيلَ: {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} : أَنْزَلْنَا إِليْكَ، أَوْ قِيلَ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت