[سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 17 [، أَيْ أَعْلَمُنَا. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، فهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيبٌ لا تَحْقِيقٌ، فَإِنَّ الوَحْيَ هو إِعْلامٌ سَرِيعٌ خَفِيٌّ، والقَضَاءُ إليهِمْ أَخَصُّ من الإعْلامِ، فَإِنَّ فِيهِ إِنْزَالًا إليهِمْ وإيْحَاءً إِلَيْهِمْ. والعَرَبُ تُضَمِّنُ الفِعْلَ مَعنَى الفِعْلِ وتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ.
ومنْ هُنَا غَلَطَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ الحُرُوفِ تَقُومُ مُقَامَ بَعْضٍ كمَا يَقُولُونَ في قولِهِ: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} [سُورَةُ ص: 24 [، أيْ مَعَ نِعَاجِهِ، و {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 52] ؛ أَيْ مَعَ اللهِ، ونحوُ ذلِكَ. والتَّحْقِيقُ مَا قالَهُ نُحَاةُ البصْرَةِ منْ التَّضمينِ؛ فَسُؤَالُ النَّعجَةِ يَتَضَمَّنُ جَمْعَهَا وَضَمَّهَا إِلَى نِعَاجِهِ.
وكذلِكَ قولُهُ: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 73] ضُمِّنَ معنَى:"يُزِيغُونَكَ ويصدُّونَكَ"، وكذلِكَ قولُهُ: {وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 77] ، ضُمِّنَ معنَى"نجَّينَاهُ وَخَلَّصْنَاهُ"، وَكَذلِكَ قولُهُ: {يَشْرَبُ بِهِا عِبَادُ اللَّهِ} [سُورَةُ الإِنْسَانِ: 6] ضُمِّنَ:"يُرْوَى بِهَا"، ونَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
ومَنْ قَالَ: {لاَ رَيْبَ} : لا شَكَّ، فهَذَا تقرِيبٌ. وإلا فَالرَّيبُ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَحَرَكَةٌ، كَمَا قَالَ:"دَعْ ما يُرِيبُكَ إِلَى مَا لا يُرِيبُكَ"وَفِي الحَدِيثِ: أَنَّهُ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فقَالَ:"لا يُرِيبُهُ أَحَدٌ"فَكََما أنَّ اليَقينَ ضُمِّنَ السُّكُونَ والطُّمَأْنينَةَ، فَالرَّيبُ ضِدُّهُ ضُمِّنَ الاضْطِرَابَ والحَرَكَةَ. وَلَفْظُ الشَّكِّ، وإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ هَذَا المعنَى لكِنَّ لَفْظَهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [سُورَةُ البَقَرَةِ:2] : هَذَا القُرآنُ، فهَذَا تقْريبٌ، لأنَّ المُشَارَ إِلَيْهِ وَإِنْ كانَ وَاحِدًا، فالإشَارَةُ بجهةِ الحضُورِ غيرُ الإشارَةِ بجهَةِ البُعْدِ والغيبَةِ، وَلَفْظُ"الكِتَابِ"يَتَضَمَّنُ منْ كونِهِ مَكْتُوبًا مَضْمُومًا مَا لا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ القُرْآنِ منْ كَوْنِهِ مَقْرُوءًا مُظْهَرًا بَادِيًا. فهَذِهِ الفُروقُ مَوْجُودَةٌ في القُرْآنِ.
فِإِذَا قَالَ أحدُهُمْ: {أَن تُبْسَلَ} [سورة الأنعام: 70] : أيْ تُحْبَسَ، وَقَالَ الآخَرُ: تُرْتَهَنُ ونحوُ ذلِكَ لم يكنْ منْ اختلافِ التَّضَادِّ، وَإِنْ كَانَ المحبُوسُ قَدْ يَكُونُ مُرْتَهَنًا وقَدْ لا يَكُونُ؛ إذْ هَذَا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَجَمْعُ عِبَارَاتِ السَّلفِ فِي مِثْلِ هَذَا نَافِعٌ جِدًّا؛ لأَنَّ مَجْمُوعَ عِبَارَاتِهِم أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ منْ عِبَارَةٍ أَوْ عِبَارَتَيْنِ.
وَمَعَ هَذَا فَلاَ بُدَّ من اخْتِلافٍ مُحَقَّقٍ بَينَهُم كَما يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ في الأحْكَامِ.
ونحنُ نَعلَمُ أنَّ عامَّةَ مَا يُضطَرُّ إِلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ مِن الاتّفَاقِ مَعلُومٌ بَلْ مُتَواتَرٌ عنْدَ العَامَّةِ أَو الخَاصَّةِ. كَذَا في عَدَدِ الصَّلواتِ وَمَقَادِيرِ رُكُوعِهَا ومواقيتِهَا، وَفَرَائِضِ الزَّكاةِ ونُصُبِهِا، وَتَعْيِينِ شَهْرِ رَمَضَانَ، والطَّوَافِ والوُقُوفِ ورَمْيِ الْجِمَارِ والمواقِيتِ، وغَيْرِ ذلِكَ، ثُمَّ إنَّ اخْتِلافَ الصَّحابَةِ في الجَدِّ والإِخْوَةِ، وَفِي الْمُشَرَِّكَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لا يُوجِبُ رَيْبًا في جُمْهُورِ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ، بَلْ مَا يَحْتَاجُ إليه عَامَّةُ النَّاسِ، وَهُوَ عَمُودُ النَّسَبِ من الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، وَالكَلالَةِ من الإِخْوَةِ وَالأَخَواتِ، وَمنْ نِسَائِهِمْ كالأزْوَاجِ. فإِنَّ اللهَ أَنزَلَ في الفَرَائِضِ ثَلاَثََ آياتٍ مُنْفَصِلَةً. ذَكَرَ في الأُولَى الأُصُولَ وَالفُرُوعَ، وَذكَرَ في الثَّانيَةِ الحاشِيَةَ الَّتِي تَرِثُ بالفَرْضِ كَالزَّوجَيْنِ وَوَلَدِ الأُمِّ، وفي الثَّالثَةِ الحاشِيَةَ الوارِثَةَ بالتَّعْصِيبِ؛ وَهُم الإِخْوَةُ لأَبَوَيْنِ أَوْ لأَبٍ.
وَاجْتِمَاعُ الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ نَادِرٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي الإسْلامِ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالاخْتِلاَفُ قَدْ يَكُونُ لِخَفَاءِ الدَّليلِ والذُّهولِ عَنْهُ، وقَدْ يكونُ لِعدمِ سَماعِهِ، وقَدْ يكُونُ لِلْغَلَطِ في فَهْمِ النَّصِّ، وقَدْ يكونُ لاعتقَادٍ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ. فَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّعريفُ بِمُجْمَلِ الأَمْرِ دُونَ تفاصيلِهِ.
فَصْلٌ
فِي نَوْعَي الاخْتِلاَفِ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى النَّقلِ، وَإِلَى طَريقِ الاسْتِدلالِ.
الاخْتِلافُ فِي التَّفسيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ: منْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ، وَمنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إذ العِلْمُ إمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ، وَإمَّا اسْتِدلالٌ مُحَقَّقٌ، وَالْمنْقُولُ إِمَّا عَن الْمَعْصُومِ، وَإمَّا عَنْ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، والْمَقْصُودُ بِأَنَّ جِنْسَ الْمنْقُولِ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ الْمَعْصُومِ أَوْ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَهَذَا هُوَ النَّوعُ الأَوَّلُ، فَمنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحيحِ منْهُ وَالضَّعيفِ، وَمنْهُ مَا لا يُمْكِنُ مَعْرِفة ُذَلِكَ فِيهِ.