فهرس الكتاب
{ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ٍ ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمىً} ، وغير ذلك من الآيات.
وفي الحديث: (( لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخي وصاحبي ) )، وفي رواية: (( ولكن أخوة الإسلام ) ).
(( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) ).
وقول الشاعر:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقال آخر:
فلو كان حمد يُخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد
وقال آخر:
فلو كان مولاي امرءًا هو غيره لفرج كربي أو لأنظرني غدي
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي
وقال الحماسي:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
وقال آخر:
رأين فتى لا صيد وحشي يهمه فلو صافحت إنسًا لصافحنه معا
ولكن أرباب المخاض يشفهم إذا افتقروه واحدًا أو مشيعًا
وقال آخر:
ولو خفت أني إن كففت تحيتي تنكب عني رمت أن يتنكبا
ولكن إذا ما حل كره فسامحت به النفس يومًا كان للكره أذهبا
فهذه الأماكن وأمثاله صريحة في أنها للامتناع، لأنها عقبت بحرف الاستدراك، داخلًا على فعل الشرط، منفيا ًلفظًا أو معنى، فهي بمنزلة: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ... } .
فإذا كانت دالة على الامتناع ويصح تعقبها بحرف الاستدراك دلَّ على أن ذلك عام في جميع مواردها، وإلاَّ يلزم الاشتراك، وعدم صحة تعقبها بالاستدراك، وذلك هو ظاهر أو صريح كلام سيبويه. فلم يخرج عنه، وقول الشيخ الإمام: إن ذلك ينتقض لما لا قبل به. نقول عليه: لا نراه منتقضًا بشيء، وقوله: قال الله تعالى: {لو أن لهم ما في الأرض ... } الآية، وقال عمر: (لو لم يخف الله ... ) الأثر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو لم تكن ربيبتي في حجري لمل حلت لي ) )قلت: يمكن رد ذلك كله إلى الامتناع، ونحن نوضح لك هذا قائلين: إذا قلنا: (امتنع طلوع الشمس لوجود الليل) ، فليس معناه انتفاء طلوع الشمس رأسًا، بل انتفاؤه لوجود الليل، وفرق بين انتفائه لذلك، وانتفائه المطلق؛ فإن الأول أخص من الثاني، ولا يلزم من ارتفاع الخاص ارتفاع العام.
فإذا قلنا: (لو) حرف امتناع لامتناع، كان المعنى به: أن التالي يمتنع امتناعًا مضافًا إلى امتناع المقدم، وليس المعنى به أنه يمتنع مطلقًا، وإذا قلت في من قيل لك: انتقض وضوءه لأنه مس من ذكره، لم ينتقض لأنه مس، فإنه لم يمس، ولكن لناقض آخر