فهرس الكتاب
غير المس، صح. وكذلك لك أن تقول: لم ينتقض، لأنه لم يمس، كل هذا كلام صحيح، وإن كان وضوءه منتقضًا عندك بناقض آخر، فإن حاصل كلامك أن الانتقاض بالنسبة إلى المس لم يحصل، ولا يلزم من ذلك انتفاء أصل الانتقاض.
وإنما يلزم مطلق الامتناع في لو الشرطية لو قلنا: إن مقتضاه الامتناع مطلقًا. ونحن لم نقل ذلك، وإنما قلنا: يقتضي امتناعًا منكرًا لامتناع منكرٍ، فالنفي خاص لا عام. وأنت إذا نظرت ما حررناه في منع التعليل بعلتين في (شرح المختصر) ، و (التعليقة) وغيرهما من كتبنا ظهر لك هذا ظهورا ًقويًّا.
إذا عرفت هذا، فنقول: قد يؤتي بلو مسلطة على ما يحسب العقل، كونه إذا وجد مقتضيا ًلوجود شيء آخر مرادًا بها أن ذلك لا يلزم تحقيقًا؛ لاستحالة وجود ذلك الشيء الآخر، الذي ظن أنه يوجد عند وجود ما يحسبه العقل مقتضيًا، كما تقول لعابد الشمس: (لو عبدتها ألف سنة ما أغنت عنك من الله شيئًا) ، فإن مرادك أن عبادتها لا تغني، وفي الحقيقة: الازدياد من عبادتها ازدياد من عدم الإغناء، ولكن لما كان الكلام خطابًا لمن يعتقدها مغنية حسن إخراجه في هذا القالب. وكذلك تقول للسائل، إذا أحكمت أمر منعه: لو تضرعت إلي بألف شفيع ما قضيت لك سؤالًا. ولذلك إذا جاء بصيغة (إن) الشرطية لم يكن له مفهوم عنه المعترفين بمفهوم الشرط، كما في قوله تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم} ؛ لأن المراد قطع الإياس، فإن الإتيان بصيغة (لو) فيما ضربناه مثلًا لتحقيق الامتناع لا للمقابلة. إذا فهمت هذا جئنا بك إلى ما أوردوه نقضًا.
وقولهم: (يلزم نفاد الكلمات عند انتفاء كون ما في الأرض من شجرة أقلامًا وهو الواقع فيلزم النفاد، وهو مستحيل) .
جوابه: أن عدم النفاد إنما يلزم انتفاؤه لو كان المقدم مما لا يتصور العقل أنه مقتض للانتفاء. أما إذا كان مما قد يتصوره العقل مقتضيًا، فأن لا يلزم عند انتفائه أولى وأحرى. وهذا لأن الحكم إذا كان لا يوجد مع وجود المقتضى، فأن لا يوجد عند انتفائه أولى. فمعنى (لو) في الآية: أنه لو وجد المقتضى لما وجد الحكم، لكن لم يوجد، فكيف يوجد؟ وليس المعنى: لكن لم يوجد فوجد؛ لامتناع وجود الحكم بلا مقتضى.
فالحاصل أن ثمَّ أمرين:
أحدهما: امتناع الحكم لامتناع المقتضي وهو مقرر في بدائه العقول.
وثانيهما: وجوده عند وجوده، وهو الذي أتت (لو) للتنبيه على انتفائه مبالغة في الامتناع، فلولا تمكنها في الدلالة على الامتناع مطلقًا لما أتي بها، فمن زعم أنها والحالة هذه لا تدل عليه، فقد عكس ما تقصده العرب بها، فإنها إنما تأتي بلو هنا للمبالغة في الدلالة على الانتفاء لما للو من التمكن في الامتناع.
وأنت إذا فهمت ما ألقيته إليك في الآية من المعنى نقلته إلى الأثر وغيره، فتقول: لو لم يخف صهيب لم يعص؛ لما عنده من إجلال الله تعالى، المانع له من وقوع المعصية، فكيف إذا خاف؟ فإنه إذا خاف يجتمع مانعان: الإجلال والخشية، وإذا لم يخف يكون المانع واحدًا وهو الإجلال. فالمعصية منتفية على التقديرين.
وجيء بلو تنبيهًا على الامتناع بالطريقة التي قدمناها: لا على مطلق الامتناع، وقد كان يمكن رد كلام الشيخ الإمام ومن معه إليها، لولا تصريحهم بأنها تدل على خلاف الامتناع في مثل ما ذكرناه.
وقولنا في (جمع الجوامع) : (ثم يثبت إن لم يناف وناسب بالأولى ... إلى آخره) أحسن مما لو قيل: ثم تدل على الإثبات إن لم يناف، وهذا لأن الثبوت والحالة هذه ليس مأخوذًا منها، بل من دليل آخر.
فإن قلت: أوضح لي، كيف تنزيل الأمر على ما تدعيه من الامتناع؟ فإن قوله: (لو لم يخف لم يعص) إذا جعلنا فيه (لو) للامتناع صريح في وجود المعصية مستندًا إلى وجود الخلاف. وهذا لا يقبله العقل.