الصفحة 18 من 76

قلت: المعنى لو انتفى خوفه انتفى عصيانه: لكن لم ينتف خوفه فلم ينتف عصيانه، مستندًا على أمر وراء الخوف، ووراء هذا صورتان:

إحداهما: أن لا ينتفي أصلًا، وهو مستحيل؛ لأنه إذا انتفى مع انتفاء الخوف، المقتضي لعدم انتفائه فيما يحسبه العقل، فَلأن ينتفي مع وجوده أولى وأحرى.

والثانية: أن ينتفي انتفاءً مستندًا إلى الخوف نفسه وهو الواقع. ونظير هذا قولك: لو انتفى مس الذكر انتفى انتقاض الوضوء المستند إليه. ولا يلزم انتفاء أصل الانتقاض، بل قد يحصل بطريقة أولى، بالبول مثلًا.

فإن قلت: فما السر في إطلاق انتفاء الانتقاض وهو مقيد بانتفاء خاص؟ قلت: المبالغة كما أوضحناه، والمعنى مفهوم من ترتيب الحكم على الوصف: وما قلناه يزداد إيضاحًا بما ادعيناه من تعدد الأحكام تبعًا لإمام الحرمين في مسألة تعدد العلل.

ثم اعلم أن ما قلناه في الآية الكريمة والأثر لا ندعي أنه ظاهر كل الظهور.

وإنما نقول إنه محتمل يمكن معه جريان (لو) على أسلوب واحد: فلم يعدل عنه؟ وإذا كان الشيخ الإمام يدعي أن جحد فهم الامتناع منها جحد للضروريات فلم ينفيه في هذه الأماكن؟ هذا تمام تقرير ما قلناه في (لو) مع هذه الزيادة التي زدناها هنا من قبلنا على (جمع الجوامع) .

وأما قولنا: (وترد للتمني) فشاهده قوله تعالى: {فلو أن لنا كرةً} ، أي: فليت لنا كرة.

ولهذا نصب (فنكون) في جوابها كما انتصب (فأفوز) في جواب ليت في قوله تعالى: {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا} . وأما العرض فقد ذكره في التسهيل. ومثاله لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا. وأما التقليل فذكره بعض النحاة وكثر استعمال الفقهاء له، وشاهده قوله تعالى: {ولو على أنفسكم} .

وقوله عليه الصلاة والسلام: (( أولِم ولو بشاة ) ).

وقوله عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) )، وقوله عليه السلام: (( التمس ولو خاتمًا من حديد ) )، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( تصدقوا ولو بظلف محْرَق ) )وقد ذكرناه في الكتاب وخصصنا هذه الصورة بالتمثيل لقلة من ذكرها، وكثرة استعمال الفقهاء والأصوليين (للو) في هذا المعنى، و (جمع الجوامع) نفسه مشحون باستعمالها لذلك، وكذلك الحاوي الصغير وغيره من المختصرات. وذكر الفراء، وأبو علي، وجماعة آخرهم ابن مالك: من موارد (لو) أن تكون حرفًا مصدريًا بمنزلة (أن) إلاَّ أنها لا تنصب. نحو: {ودوا لو تدهن} ، {يود أحدهم لو يعمر} ، ولكن الأكثرون لم يثبتوا ذلك، وتأولوا ما ذكر؛ ولذلك لم نذكره في (جمع الجوامع) ؛ مع أن جدوى معرفة كونها مصدرية في الأصول قليلة.

وأما قولنا في باب النهي عقب قولنا: ومطلق نهي التحريم: (وكذا التنزيه في الأظهر) إلى آخره. فمعناه واضح، مقرر في كل من شرحي المختصر والمنهاج، وليس في (جمع الجوامع) زيادة عليهما، إلاَّ في موضعين، أحدهما: التنبيه على أن محل الخلاف في أن النهي هل يقتضي الفساد؟ إنما هو في التحريم.

وأن التنزيه ملحق به على الأظهر، وإنما ألحقناه به، لأن المكروه مطلوب الترك، والصحة أمر شرعي، فلا يمكن كونه صحيحًا، لأن تركه يوجب عدم الاعتبار به، إذا وقع، وذلك هو الفساد؛ وهذا قريب مما قدمناه في مقدمة مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: حيث قلنا: (إن مطلق الأمر لا يتناول المكروه خلافًا لأبي حنيفة) ، وبنينا عليه عدم صحة الصلاة في الأوقات المكروهة، وإن قلنا: إنها كراهة تنزيه، والحجة على أن المكروه لا يتناوله الأمر أنه مطلوب الترك، والمأمور مطلوب الفعل، فيتناقضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت