الصفحة 47 من 76

قيل: لم زدتم على ابن الحاجب: (قيل: المقتضية لاختياركم: أن ما هو من قبيل الأداء كالمد، والإِمالة إلى آخره متواتر) ؟ وكيف يجري الشاذ مجرى الآحاد، مع أن القراءة به غير جائزة؟ وإذا كانت العشرة متواترة، فلم لا= قلتم: (والقراءات العشر بدل السبع) ؟

فقلت: هذه سؤالات أهمها أولها:

اعلم أن السبع متواترة، والمد متواتر، والإمالة متواترة، كل هذا بيِّن لا شك فيه، وقول ابن الحاجب (فيما ليس من قبيل الأداء) صحيح، لو تجرد عن قوله (كالمد، والإمالة) ، لكن بمثيله بهما أوجب فساده. كما سنوضحه من بعد، فلذلك قلنا: (قيل) ؛ لنبين أن القول، بأن المد والإمالة غير متواترين ضعيف (عندنا) ، بل هما متواتران.

وليقع الكلام على المد والإمالة، وتخفيف الهمزة، ثم على ما استدركه أبو شامة فإنا لم نتكلم عليهما، في (شرح المختصر) .

فنقول: أما المد والإمالة فلا شك في تواتر المشترك بينهما، وهو المد من حيث هو مد، والإمالة من حيث إنها إمالة، ولكن اختلف القراء في تقدير المد في اختياراتهم، فمنهم من رآه طويلًا، ومنهم من رآه قصيرًا ومنهم من بالغ في القصر، فمنهم من يرى مد حمزة وورش بمقدار ست ألفات، ومنهم من يقول هذا إفراط، بل بمقدار خمس ألفات، ومنهم من يقول: بل بمقدار أربع ألفات، قالوا: وهذا أصح. ويذكرون عن عاصم أنه بمقدار ثلاث ألفات، وعن الكسائي بمقدار ألفين ونصف، وعن قالون ألفين، وعن السوسي ألف ونصف، وقال الداني في التيسير: (أطولهم مدًا في الضربين جميعًا، يعني المتصل والمنفصل ورش، وحمزة، ودونهما عاصم، ودونه ابن عامر، والكسائي، ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق، وقالون من طريق أبي نشيط بخلاف عنه.

قال: وهذا كله على التقريب من غير إفراط، (وإنما هو على مقدار مذاهبهم من التحقيق والحدر) .

قلت: ولكون أن هذه الأمور لا تكاد تنضبط، كان الشاطبي يقرأ بمدتين طولى لورش وحمزة، ووسطى لمن بقي، فهذه الاختيارات والطرق والاختلافات من القراء في كيفية التلفظ بالمد، ليست متواترة؛ ولهذا روي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره وقال: لا تعجبني، ولو كانت متواترة لما كرهها، (فحاشاه أن يكره المتواتر) .

ولذلك ذكر القراء أن الإمالة قسمان: إمالة محضة وهي أن ينحى بالألف إلى الياء، وتكون الياء أقرب، وبالفتحة إلى الكسرة، وتكون الكسرة أقرب. وإمالة تسمى بين بين، وهي كذلك، إلاَّ أن الألف والفتحة أقرب، وهذه أصعب الإمالتين، وهي المختارة عند الأئمة، فلا شك في تواتر الإمالة.

وأما اختلافهم في كيفيتها، مبالغة وقصورًا، وبين بين، فلا تواتر فيه على هذا القول.

وأما تخفيف الهمزة وهو الذي يطلق عليه تخفيف وتليين وتسهيل، أسماء مترادفة فإنه يشمل أربعة أنواع من التخفيف وكل منها متواتر بلا شك.

أحدها: النقل، وهو نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها نحو: {قد أفلح} بنقل حركة الهمزة وهي الفتحة إلى دال (قد) ، وتسقط الهمزة، فيبقى اللفظ بدال مفتوحة بعدها فاء. وهذا النقل قراءة نافع، من طريق ورش في حال الوصل والوقف، وقراءة حمزة في حال الوقف.

الثاني: أن تبدل الهمزة حرف مدّ من جنس حركة ما قبلها؛ إن كان قبلها فتحة أبدلت ألفًا، نحو {يأكلون} ، و {تألمون} ؛ أو ضمة أبدلت واوًا، نحو: يؤمنون وتؤمنون؛ أو كسرة أبدلت ياء نحو بيس، والذيب، وهذا البدل قراءة أبي عمرو بن العلاء، ونافع من طريق ورش، في فاء الفعل، وحمزة إذا وقف على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت