فهرس الكتاب
وهذا الاعتراض قد دفعه الغزالي نفسه في (المستصفى) . فقال في أثناء الحجاج: (قلنا: كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانين، والأطفال، والسقط، والمجتن - وإن كانوا من الأمة - فلا يجوز أن يراد به الميت، والذي لم يخلق بعد؛ بل المفهوم من لفظ الأمة قوم يتصور بينهم اختلاف واجتماع، ولا يتصور ذلك من المعدوم والميت) وأطال في تقرير هذا، وهو جواب حسن. ويمكن أن يضاف إليه جواب آخر، فيقال: اتفاق أهل عصر دليل على اتفاق الأمة كلهم: مَن سَبَقَ، ومن سيحدث؛ لأن خرق الإجماع حرام، يمتنع من الأمة فعله، فنحن على قطع بأن من يحدث لا يخرقه، ومن سبق إن كان قد خالف لو وقف عليه فيرجع إليه، فكل عصر أجمع علماؤه يعلم أن جميع الأمة مجتمعة، لأنها لو اطلعت لوافقت.
فإن قلت: أتنسبون إلى من لم يعلم بشيء أنه وافق، وهو بين معدوم لم يخلق وميت قد صار عظمًا رميمًا؟!
قلت: كما ينسب إلى العوام موافقة المجتهدين، وإن كانوا لا يعون، ولا يفهمون، كما عرف في مسألة العامي.
والحاصل: أن قول عصر واحد، هو قول جميع الأعصار، لأن مخالفته حرام، والحرام ممتنع على الأمة. وهذا شيء قد يقال، والاقتصار على جواب الغزالي أولى.
فإن قلت: إذا صححتم جوابه، فلم احترزتم عنه؟ وقلتم: في عصر؟
قلت: لا يلزم من صحة الجواب أن لا يحترز عن وروده، ولا شك أن اللفظ موهم فجئنا بقيد يدفع الإيهام.
وقد نثرنا مسائل الإجماع على الحد أحسن نثر، واستخرجناها كلها من التعريف، على عادتنا في هذا الكتاب، التي لم نسبق إليها، وهي البداءة بالتعريف، ثم استخراج مسائل الباب منه، بحيث يلوح لذي الفطنة اكتفاؤه بالتعريف عن النظر في تلك المسائل، لإمكان فهمه إياها منه، ولا يبقى في إعادة ذكرها إلاَّ فائدة التنصيص عليها، وحكاية الخلاف فيها والتنبيه على قيود قد تعتورها.
تعريف الأمر:
ومنها: قيل: ما معنى قولكم في حد الأمر: (اقتضاء فعل غير كفٍّ مدلول عليه بغير كفٍّ) وفي النهي (اقتضاء كف عن فعل لا بقول كف) ؟.
فقلت: قولنا (مدلول) مجرور على أنه صفة لكف المضاف إليه، في قولنا (غير كف) والمعنى أن الفعل الذي يقتضيه الأمر، فعل خاص، وهو غير الكف، ولا نريد غير مطلق الكف، بل غير كف خاص، وهو الكف المدلول عليه بغير كف.
أما المدلول عليه بقولك كف، أو أمسك، ونحو ذلك، فهو أمر، نادر (وليس) كل فعلٍ فُعِلَ هو كف غير أمر، بل إنما يكون غير أمر إذا دل عليه بلفظٍ غير قولنا: (اكفف) ونحوه، مثل: (لا تفعل) ونحو ذلك.
وقولنا في النهي: (لا بقول كف) واضح، ومعناه أنه ليس كل اقتضاء كف عن فعل نهيًا، كما اقتضاه إطلاق ابن الحاجب، بل النهي اقتضاء كف عن فعل، ويكون ذلك الاقتضاء دالًا على ذلك الكف، لا بقول (كفّ) ، فإن دل بقول (كف) كان أمرًا ولم يكن نهيًا كما نبهنا عليه في حد الأمر.
والحاصل: أن كفَّ، واكفف، وأمسك، وذر، ودع، وحاذر، واحذر، وتنح، وعدِّ، وتجاوز، وإياك، ورويدك، ومهلًا، وقف، وأمثالها أوامر بالمطابقة، لا نواهٍ، وإن اقتضت كفًّا، وإنما تكون نواهي بالتضمن، بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ضمنًا.
القراءات السبع متواترة:
ومنها على قولنا: والقراءات السبع متواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة. قال أبو شامة والألفاظ المختلف فيها بين القراء، ولا تجوز القراءة بالشاذ، والصحيح: أنه ما وراء العشرة، وفاقًا للبغوي، والشيخ الإٍمام. وقيل: ما وراء السبعة. أما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح، انتهى.