فهرس الكتاب
ومنها على قولنا في حد الإجماع:
(وهو اتفاق مجتهد الأمة ... إلى آخره) .
قيل: مجتهد الأمة جمع، أقله ثلاثة، فيقتضي أنه لو لم يكن في العصر إلاَّ مجتهد لا يكون قولهما إجماعًا، بناءً على أن أقل الجمع ثلاثة.
فقلت: مجتهد الأمة في التعريف لا يكتب بالياء إذ ليس جمعًا سقطت نون الجمع منه للإضافة وبقيت الياء، وإنما هو مفرد، فدخل الاثنان فصاعدًا، لأن المفرد المضاف عام. فإن قلت: فيلزم أن يكون قول الواحد المجتهد إذا لم يكن في العصر غيره إجماعًا، وقد اخترتم في هذا الكتاب خلافه: قلت: لا، لخروجه بلفظ الاتفاق، فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعدًا.
ومنها على تعريف الإجماع أيضًا: قيل: قلتم: (في عصرٍ على أي أمر كان) فنكّرتم العصر وأتيتم به في سياق الإثبات، وكذلك فعل ابن الحاجب فلا عموم له، وعممتم الأمر حيث أدخلتم عليه صيغة)، أي: الشرطية، ولم يفعل ذلك ابن الحاجب، فما بالكم فعلتم؟ وهلا تبعتموه في تنكيرهما، أو عرفتموهما جميعًا ليقتضيا العموم، والذي يظهر أن تعميمهما هو الصواب، لأن الأعصار كلها سواء والأمور كلها سواء.
فقلت: أما تنكير عصر فلأنه لا يظهر فرق بين عصر وعصر، فكان الحكم للقدر المشترك بين الأعصار كلها وهو ما صدق عليه عصر. فعصر هنا نكرة مراد به الحقيقة من حيث هي مثل: {علمت نفس ما أحضرت} ، ويجوز الابتداء به، لأن من مسوغات الابتداء بالنكرة عند النحاة أن يراد بها الحقيقة من حيث هي، نحو: رجل خير من امرأة، وتمرة خير من جرادة. وما ذاك، إلاَّ لأن الوحدة غير مقصودة، فاندفع الإبهام وحصلت الفائدة المسوغة للابتداء.
وأما التصريح بتعميم ما يقع الإجماع فيه بقولنا: (أي أمر كان) ، فلأن الفرق ظاهر بين الأمور. ألا ترى إلى اختلاف العلماء في الفرق بين أمر وأمر نحو اختلافهم في أن الإجماع في العقليات هل هو صحيح؟ وفيما أصله أمارة ونحو ذلك، ولم يقل أحد بالفرق بين عصر وعصر، فلما ظهر الفرق نصصنا على العموم دفعًا للإبهام، بخلاف العصر فإنا لم نحتج فيه إلى ذلك، فافهم سر الفصل بين الموضعين.
فإن قلت: لو لم تفترق الأعصار لما كان عصر السالفين لا ينتهض فيه الإجماع بخلاف أعصار هذه الأمة، ولما قال قوم إن الإجماع مختص بعصر الصحابة.
قلت: لم ينشأ الخلاف عن اختلاف الأعصار في أنفسها، بل عن المختلفين، فالقائل باختصاص الإجماع بهذه الأمة، يدعي تميزها بذلك رفعة لقدرها. وكذلك القائل بتخصيصه بالصحابة يدعي تميزهم بذلك لكمال علومهم ومعارفهم ومشاهدتهم طلعة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وفي قولك: (عصر السالفين، وعصر الصحابة) : دَخَل، فإنه يوهم أن الخلاف لأجل العصر في نفسه، وإنما هو لأجل أهل العصر، وفرق بين العصر وأهله، فلم يقل أحد أن الإجماع يختص بعصر الصحابة بل إنه مختص بالصحابة. ويظهر أثر هذا: فيما لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد وذلك كثير، فأجمعوا دونه، فالقائل بأنه يختص بالصحابة، لا يعتد بخلافه معهم، بخلاف من لا يخص الإجماع بهم، وبخلاف ما لو قيل إنه مختص بالعصر نفسه فإنه كان يلزم الاعتداد به لأنه من أهل العصر.
وفي قولنا: (مجتهد الأمة) ما يخرج مجتهد غير الأمة.
واعلم أن قولنا: (في عصر) قيد لم يذكره الغزالي في تعريفه، فاعترضه ابن الحاجب تبعًا لمن تقدمه، بأنه يلزم أن لا يحتج إلاَّ بجملة الأمة، من لدن عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.