فهرس الكتاب
والثانية: تفسيرها بأنها ما ينشأ عنه الأثر، وقد يرد عليه العقد في زمن الخيار، مع إمكان الانفصال عنه إما بأن الأثر ليس الانتفاع، بل حصول المالكية كما قلته أنا، وإما بأن المعنى بنشأة الأثر عنه كونه بحيث ينشأ، لا حصول النشأة، كما يقوله الشيخ الإمام، وهو منه عناية بالعبارة.
والثالثة: ذكر أن ترتب الأثر ناشئ عن الصحة، وهي عبارة (جمع الجوامع) ، وهي سديدة وافية لا دخل عليها، وفيها التنبيه على دقيقة وراء ما ذكرناه، وهي الإشارة إلى أن المانع إذا زال كالخيار، عملت العلة عملها غير مستند عملها إلى زال المانع.
فنقول مثلًا: إذا انفكت العين المرهونة تصرف المالك في العين لكونه مالكًا ولا مانع، لا لكونه مالكًا غير راهن، فليس عدم الراهنية جزءًا من العلة، وإنما هو شرط، وهذا نافع في الفقهيات جدًّا، ناهض بنصرة المناظر في كثير من المباحثات، مأخوذ من تقديم المجرور في قولنا: (وبصحة العقد) المقتضي للحصر كما بيناه.
تفسير الإجزاء:
وأما قولنا: (والعبادة إجزاؤها، فالعبادة مجرور بالعطف على صحة العقد، أي: وبصحة العقد إجزاؤها. على حد قولنا: وبصحة العقد ترتب أثره. والمعنى: أن إجزاء العبادة ناشئ عن صحتها، كما قلناه في ترتيب أثر العقود سواء، تقول: صحت العبادة فأجزأت.
واعلم لا يلزم من صحتها وإجزائها سقوط القضاء، بدليل صلاة من لم يجد ماء ولا ترابًا، فإن الأصح أنها صحيحة، ومع ذلك لا تسقط. وقد يقول الفقيه: (إنها غير مجزئة) ؛ لأنه يفسر الإجزاء بسقوط القضاء. وأما نحن فنفسره بالفعل الكافي لسقوط التعبد به. والضمير في (به) عائد على الفعل، أي بسقوط التعبد بالفعل.
وقولنا: (أي كفايتها في سقوط التعبد) ، تفسير للإجزاء، أي: الإجزاء هو كفاية العبادة في سقوط التعبد بها. فإذا كفت في صحة التعبد فهو الإجزاء الناشئ عن الصحة.
وأما قولنا: (وقيل إسقاط القضاء) ، فهذا قول الفقهاء في الإجزاء، وقد قدمنا نظيره في صحة العبادة حيث قلنا: (وقيل في العبادة: إسقاط القضاء) ، وقولنا: (ويختص الإجزاء بالمطلوب) .
اعلم أن الإجزاء لا يكون إلاَّ في العبادات، بخلاف الصحة، فإنها تكون في العبادة وفي المعاملة.
الإجزاء هل يختص بالواجب أو يعم كل مطلوب؟:
واختلف الأصوليون، بعد اتفاقهم على اختصاص الإجزاء بالعبادة، في أنه: هل يعم كل مطلوب؟ فيدخل الواجب، والمندوب، أو يختص بالواجب؟ فلا توصف المندوبات بالإجزاء؟ والأول المختار. ونصر الشيخ الأصبهاني في (شرح المحصول) الثاني، فقال: لا يقال في المندوب إنه مجزئ ولا غير مجزئ، ويرده قوله صلى الله عليه وسلم: (( أربع لا تجزئ في الأضاحي ) )مع أن الأضحية عندنا سنة.
والضمير في قولنا: (ويقابلها) ، عائد على مطلق الصحة، لا صحة العقود، ولا صحة العبادة، لأن العبادة إذا لم تصح، توصف بالبطلان والفساد، ويحتمل العود إلى صحة العقود فقط، بناء على أن العبادة إذا كانت باطلة لم تكن عبادة البتة.
واعلم أن لنا خلافًا في أن البطلان وصف يعتور الماهية الشرعية، فيكون موضوعه لما هو أعم من الصحيح والفاسد، أو لا فيكون موضوعه للصحيح فقط.
وقد حققنا البحث عن ذلك في باب المناهي من (شرح المختصر) ، ولا بد من تذكره في هذا المقام وبناء الكلام عليه فافهم.
تعريف الإجماع: