فهرس الكتاب
فحبيبها مبتدأ واجب التأخير، لالتباسه بضمير العين الملتبس بالخبر، إذ لو قدم لكان الضمير عائدًا على متأخر لفظًا ورتبةً، فقد عرفت السر في تقديم الخبر في قولنا: (وبصحة العقد) .
ومن فوائده: إفادة الاختصاص، كما يقول البيانيون، والمعنى: أن ترتب الأثر واقع بصحة العقد، لا غيره. وهذا أحسن من تعريف من عرف صحة العقود بترتب الآثار؛ فإن ترتب الآثار، أثر عن صحة العقد، فنقول: صح العقد فترتبت آثاره عليه. فنجعل ترتب الآثار معلولًا والصحة علة، والعلة غير المعلول، فكيف نفسر أحدهما بالآخر؟
وهذا الاعتراض على من فسر صحة العقد بترتب الأثر صحيح، بخلاف اعتراض من اعترضه بالبيع في زمن الخيار بأن أثره لم يترتب عليه، إذ ليس للمشتري التصرف. فإن جواب هذا: أنه ليس التصرف والانتفاع أثر العقد، وإنما أثره حصول الملك الذي ينشأ عنه إباحة الانتفاع بشرطه، ومن شرطه أن لا يكون خيار، فليس كل مالك ينتفع. ألا ترى أنه لا يطأ الحائض من جواريه ما دام الحيض؟ وإلاَّ وجب دائمًا. ولا ينتفع بالمرهون، إلى غير ذلك، وليس شيء من ذلك قادحًا في ملكه.
فإذن، الأثر: الملك، لا الانتفاع ونحوه. وهذا الجواب سديد لا سيما على رأي من يجعل الملك في زمن الخيار للمشتري، ولا يدفعه من يقول بأنه موقوف؛ لأن بانقضاء الخيار يتبين أن الملك أيضًا كان له، فترتب الأثر، ولكن لم يظهر لمانع وهو الخيار، ولا بأنه ملك للبائع؛ لأن الأثر والحالة هذه انعقاد البيع سببًا لحصول الملك فإن انقضى الخيار المانع حصل.
وقد أجاب الشيخ الإمام، في (شرح المنهاج) ، عن هذا السؤال، بأن المعنى بترتب الأثر كونه بهذه الحيثية. وقال على قول البيضاوي: (الصحة استتباع الغاية) : الأولى في تحرير العبارة أن يقال: (كون ذلك الشيء يستتبع غايته) ، فإن استتباع الغاية يقتضي حصول التبعية، وقد يتوقف ذلك على شرط كالعقد في زمن الخيار، وكونه يستتبع الغاية صحيح، وإن توقفت التبعية على شرط؛ لأن معناه أنه بهذه الحيثية. انتهى.
وأنا أقول: قد عرف جواب السؤال واندفاعه من أصله، فلا حاجة إلى هذه الزيادة، بل لقائل أن يقول: لا نسلم اقتضاء الاستتباع حصول التبعية، وإنما هو استفعال معناه: طلب التبعية، والمعنى: أنه يطلب التبعية، وقد يتوقف حصولها على شرط.
ونحن إذا فسرنا أثر العقد بملك الانتفاع لم نحتج إلى شيء من هذا، ولا يلزم من ملك الانتفاع التمكن منه في الحال، لكونه موقوفًا على شريطة.
إذا عرفت هذا فهمت معنى قولنا (وبصحة العقد ترتب أثره) والمعنى ترتب الأثر كائن بالصحة، وفيه خلوص عن السؤال من أصله، فإنا لم نقل: إن الصحة هي ترتب الأثر، حتى نحتاج إلى إيراد هذا السؤال، والجواب عنه. وإنما قلنا: إن ترتب الأثر ناشئ عن الصحة. وفرق بين قولنا: (الصحة ينشأ عنها ترتب الأثر) ، و (ترتب الأثر ينشأ عن الصحة) .
فإن الأول: يقتضي أنها حيث وجدت ترتب عليها الأثر فيحتاج إذا أورد العقد في زمن الخيار إلى التمحل في الجواب.
والثاني: لا يقتضي ذلك، وإنما مقتضاه أنَّ ترتب الأثر إذا وجد فمنشأه الصحة، فلا يلزم من ارتفاعه ارتفاع الصحة؛ لأن ارتفاع الناشئ عن الشيء لا يلزم منه ارتفاع الشيء بخلاف ارتفاع الشيء فإنه يلزمه ارتفاع أثره، ضرورة أن ارتفاع المؤثر يلزم منه ارتفاع الأثر، وارتفاع الأثر لا يلزم منه ارتفاع المؤثر.
فإذن العبارات ثلاث:
العبارات في تفسير الصحة:
الأولى: تفسير الصحة بترتب الآثار، وقد بيَّنا فسادها، لأن فيه تفسير العلة بالمعلول.