الصفحة 42 من 76

الأمر الذهني)، وهو الذي قاله، حيث قال: (يفيد أنك حكمت بقيام زيد وأخبرت عنه) . يعني أخبرت عن حكمك فالضمير في قوله (عنه) للحكم لا لقيام زيد انتهى كلام الوالد رحمه الله وهو في غاية التحقيق.

وقد قال الإمام هنا في باب الأخبار: (بقي ههنا البحث عن ماهية الحكم فإنه لا يجوز أن يكون المراد به الاعتقاد، لأن المرء قد يخبر عما لا يعتقد البتة، لأن من لا يعتقد أن زيدًا في الدار، يمكنه والحالة هذه أن يقول(زيد في الدار) ، ولا يجوز أن يكون المراد منه الإرادة، لأن الإخبار قد يكون عن الواجب والممتنع، مع أن الإرادة يمتنع تعلقها به فلم يبق إلاَّ أن يكون الحكم مغايرًا لجنس الاعتقادات، والقصود=، وذلك هو كلام النفس الذي لا يقول به أحد إلاَّ أصحابنا، انتهى).

وتكلم عليه الوالد رحمه الله فقال: وقوله: (إن الحكم لا يجوز أن يكون المراد منه الاعتقاد) مخالف لقوله في أول الكتاب (حكم الذهن بأمر على أمر) إلى آخر تقسيمه، إلى العلم، والظن، والشك، وغيرها.

وقوله: (قد يخبر عما لا يعتقده) ، أما باللسان فصحيح، وأما بالقلب ففيه نظر، وقوله (ولأن من لا يعتقد) إلى آخره، هو الأول فليس دليلًا.

ولعل إصلاح كلامه أن يكون بغير واو العطف.

وقوله: (وذلك هو الكلام النفسي) صحيح.

وقوله: (لا يقول به أحد غير أصحابنا) لقائل أن يقول: إن جميع الناس قائلون به. وإنما الخلاف بين أصحابنا وغيرهم في ثبوته للباري سبحانه وتعالى وفي إطلاق الكلام عليه. فلم يقل بإثبات كلام النفس لله إلاَّ أصحابنا. وأما إثبات كلام النفس للناس فهو أمر محسوس انتهى كلام الشيخ الإمام تغمده الله تعالى برحمته.

تعريف الصحة:

ومنها: على قولنا: (والصحة موافقة ذي الوجهين الشرع، وقيل في العبادة: إسقاط القضاء، وبصحة العقد ترتب أثره، والعبادة إجزاؤها، أي: كفايتها في سقوط التعبد، وقيل: إسقاط القضاء، ويختص الإجزاء بالمطلوب، وقيل: بالواجب، ويقابلها البطلان وهو الفساد خلافًا لأبي حنيفة) . انتهى.

قيل: إن عرفتم في الأول مطلق الصحة، للعبادة والمعاملة، فالمعاملة لا توصف بموافقة الشرع، ثم لا حاجة إلى قولكم ثانيًا (وبصحة العقد ترتب أثره) .

وإن عرفتم أولًا صحة العبادة، وثانيًا صحة المعاملة، فما تعريف القدر المشترك بينهما وهو مطلق الصحة؟ وأي حاجة إلى قولكم في العبادة؟ وأين ترتب أثر البيع في زمن الخيار؟

فقلت: عرفنا في الأول الصحة من حيث هي، سواء صحة العبادات أو المعاملات بموافقة ذي الوجهين الشرع، واحترزنا بذي الوجهين عما لا يقع إلاَّ على وجه واحد، كالمعرفة وكالماهية الشرعية عند من رآها مختصة بالصحيح.

وقولكم: (المعاملة لا توصف بموافقة الشرع) ممنوع، بل المعاملة إذا صدرت على الوجه الشرعي وافقت الشرع، وإلاَّ خالفته، كما أن العبادة إذا صدرت على الوجه المأمور به وافقت، وإلاَّ خالفت.

وقولكم: (لا حاجة إلى قولكم ثانيًا:(وبصحة العقد ترتب أثره) جوابه يعرف إذا عرفت معنى هذا الكلام.

فنقول: ترتب الأثر مبتدأ مؤخر في اللفظ، وبصحة العقد جار ومجرور في موضوع الخبر، متعلق بكائن أو استقر، قُدِّم وجوبًا لعود الضمير من المبتدأ وهو الهاء في أثره على بعض الخبر، وهو صحة العقد، فعود ضمير من المبتدأ على بعض الخبر، هو المؤذن بتقدم الخبر على حد قوله تعالى: {أم على قلوب أقفالها} ، وقول الشاعر:

أهابك إجلالًا وما بك قدرة علي ولكن ملء عين حبيبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت