فهرس الكتاب
فإن أراد تفريع ذلك على أن اللفظ موضوع لما في الذهن فلا تفريع له على ذلك، بل هو مسألة مستقلة، وهو بيان أن قولنا: (قام زيد) إخبار عن حكم ذهني متعلق بأمر خارجي، ولا شك أن الخبر قد يكون عن أمر خارجي، وقد يكون عن أمر ذهني؛ ففي قولنا (قام زيد) إخبار عن أمر خارجي بواسطة حكم ذهني، ولو لم يكن كذلك لم يكن صدقه بوجود قيام زيد في الخارج، وكذبه بعدمه، وهو كذلك قطعًا، وفي قولنا (العِلْمُ حسن والجهل قبيح) إخبار عن أمر ذهني.
صيغ العقود هل هي إنشاء أو إخبار؟:
وقد اختلف الفقهاء في صيغ العقود هل هي إنشاء أو إخبار؟ والذي يقول: (إنها إخبار) ، يقول: (هي إخبار عن أمر ذهني، وهو البيع في النفس مثلًا) ، وأما تعلق البيع بالعين المبيعة المشخصة في الخارج فلا شك فيه، سواء قلنا: (الوضع لما في الذهن، أو لما في الخارج) ، هذا لا شك فيه، وإلاَّ لم يصح البيع.
وقد بحث الإمام فخر الدين في تعليقه في الخلاف في بيع الغائب، واستدل لمذهب الشافعي رحمه الله بأن صحة البيع فرع حصول البيع، والبيع لم يحصل، لأن المعين الغائب جزئي، مانع تصوره من حصول الشركة فيه، والذي تصور من الصفات كلي، لا يمنع تصوره من الشركة فيه، وأورد على نفسه النكاح، وأجاب بأنه رخصة، وهذا الكلام في الغائب ضعيف، ومحله في المجهول المطلق، مثل: (بعتك شيئًا) ، فالشيء كلي، لم يجد البيع موردًا آخر يتأثر به، والغائب معين في نفسه واستحضره العاقد من بعض الوجوه بعينه لاستحضاره صفاته المتعلقة به، ألم يقل هو: إن كنه ذات الباري سبحانه وتعالى غير معلومة للبشر، والمعلوم منها الصفات والأسماء، والإيمان به صحيح ولا سيما العالم المصيب، فإنه مؤمن قطعًا، لم يختلفوا فيه وإن اختلفوا في المخطئ من المجسمة ونحوهم في تكفيرهم، والمختار أنهم لا يكفرون، لما أشرنا إليه من المآخذ، وهو أنهم قصدوا المعين الصحيح، ومن يقول بتكفيرهم -على ضعف قوله- فذلك لأجل الخطأ، لا للمأخذ المذكور فإنه لم يقل به أحد. انتهى كلام الوالد رحمه الله تعالى.
وأما استدلال الإمام على أن مدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها، بأنه لو لم يكن كذلك. لم يكن شيء من الخبر كذبًا، فقد منع أبو العباس القرافي، انتفاء اللازم، وادعى أن العرب لم تضع الخبر إلاَّ للصدق. ذكر ذلك في أول الفروق وغيره من كتبه، وهو ضعيف مصادم لاتفاق أهل اللسان على أن الخبر لأعم من الصدق. ودفع بعضهم -كونه مدلوله- الحكم بأنه لو كان كذلك لكان إنشاءً لا يقبل الصدق والكذب. وهو أيضًا ضعيف.
لأن مرادنا هنا بالحكم غير ما نعنيه بالحكم الإنشائي. وهذا كما قلناه ردًّا على الإمام في (شرح المنهاج) ، حيث رد على من زعم بأن (يا زيد) معناه: أنادي زيدًا، لأنه لو كان ذلك معناه، لكان خبرًا يقبل الصدق والكذب، فقلنا: (أنادي زيدًا) الذي هو بمعنى يا زيد ليس خبرًا فافهم ذلك.
نعم، رد الشيخ الإمام، على الإمام هذا الدليل مع موافقته إياه على الحكم، فقال على قوله: (مدلول قولنا:(العالم حادث) الحكم بذلك ... ) إلى آخره: هذه الدعوى صحيحة، والاستدلال فاسد.
أما صحتها: فلأن مدلول (العالم حادث) الحكم بحدوثه، وذلك الحكم إذا صدر من مبرأ عن الخطأ يلزم صحة المخبر به في الخارج فيكون العالم حادثًا.
وأما فساد الاستدلال فلأنا لا نقول: مدلوله نفس ثبوت الحدوث من مبرأ عن الخطأ أو غير مبرأ. بل ولو قلنا: إنه مدلول اللفظ، فمدلول اللفظ قد يتخلف عنه.
فقوله: (يجب أن لا يكون الكذب خبرًا) عجيب، حتى ظن بعضهم أنه تفريع على قول من يقول (إن الاسم المسمى) وهذا شيء لا طائل تحته. وإنما نحن نقول: (هذه قضية فيها حكم بثبوت الحدوث للعالم، والحكم أمر ذهني، فالإخبار عن ذلك