فهرس الكتاب
فلو وضع للخارجية بخصوصها كان علمًا، كزيد، لا اسم جنس، وكان استعمال في غير تلك الصورة التي لاقاها الوضع مجازًا.
وثم احتمال خامس، وهو: أن يكون موضوعًا للقدر المشترك ملحوظًا فيه الصورة الذهنية عكس المختار عندي، ولم يقل به أحد في أسماء الأجناس، وإنما قيل به في علم الجنس، ولا كلام فيه.
ومنها: قيل: ما شرح قولك (ومدلول الخبر: الحكم بالنسبة لا ثبوتها، وفاقًا للإمام وخلافًا للقرافي، وإلاَّ لم يكن شيء من الخبر كذبًا) ؟
فقلت: هذه المسألة الرابعة في (المحصول) ، المشار إليها بقول الإمام: (إذا قال القائل:(العالم حادث) فمدلول هذا الكلام حكمه بثبوت الحدوث للعالم لا نفس الحدوث للعالم، إذ لو كان مدلوله نفس ثبوت الحدوث للعالم لكان حيث ما وجد قولنا (العالم محدث) كان العالم محدثًا، لا محالة. فوجب أن لا يكون الكذب خبرًا، ولمّا بطل ذلك علمنا أن مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة، لا نفس النسبة انتهى). واعترض على قوله (وإلاَّ لم يكن الكذب خبرًا) بأنه يوهم تحقق الكذب، ولا نصفه بالخبرية. والواقع على هذا التقدير انتفاء الكذب. وتوهم قوم -منهم صاحب (التحصيل) - لأجل ذلك أنه هذا انقلب على الإمام، وأن صواب العبارة أن يقول: (وإلاَّ لم يكن الخبر كذبًا) وجرى على في تحصيله، وكذلك اتفق لصاحب (الحاصل) ، و (المنهاج) مع الإمام نظير ذلك في تعليل الأجزاء بسقوط القضاء، والصواب عبارة الإمام، والانقلاب على القوم لا عليه.
الخبر منه صدق ومنه كذب:
أما تقرير عبارته فلأن مدلول النسبة لو كان ثبوتها، لكان الكذب غير خبر، لكن اللازم منتف، ضرورة أن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب، فالملزوم مثله، وبيان الملازمة، أن ثبوت النسبة وقوعها في الخارج فلا يكون الإخبار عنه كذبًا، وهذا واضح.
وأما تبيين فساد عبارتهم، فلأن معنى قولنا (وإلاَّ لم يكن الخبر كذبًا) كون كل خبر كذبًا، وليس كذلك؛ إذ من الخبر صدق كما أن منه كذبًا، فوضح أن صواب العبارة ما ذكره الإمام رحمه الله. وأوضح منها في الدلالة على مقصوده، عبارة (جمع الجوامع) ، حيث يقول: (وإلاَّ لم يكن شيء من الخبر كذبًا، فهذا شرح قولنا:(ومدلول الخبر إلى آخره) .
وهذا من الأماكن التي ذكرنا الدليل فيها في (جمع الجوامع) ، والغرض بذكره وقوع الخطأ لقوم في تقريره كما عرفت، وأوردناه على الوجه الذي أورده الإمام بعبارة أوضح من عبارته يزول بها عنه الإشكال.
واعلم أن الإمام قال في مسألة اللفظ بإزاء ماذا وضع؟ مستدلًا على أنه بإزاء الذهنية. وأما المركبات، فلأنك إذا قلت: (قام زيد) فهذا الكلام لا يفيد قيام زيد، وإنما يفيد أنك حكمت بقيام زيد وأخبرت عنه، ثم إن عرفنا ذلك الحكم مبرءًا عن الخطأ، فحينئذٍ نستدل به على الوجود الخارجي.
فأما أن يكون اللفظ دالًا على ما في الخارج فلا؛ قال الشيخ الإمام رحمه الله: (وهذا منه يقتضي أن المركبات موضوعة، لأنه جعلها قسمًا مما تكلم فيه، مما وضع اللفظ له، إلاَّ أن يقال:(إن المفردات وضعت للتوصل إلى المعاني المركبة) ، فتقسيمه لذلك لا لكونها موضوعة لها.
وقوله: (إنه يفيد أنك حكمت بقيام زيد) صحيح، سواء كان الموضوع له ما في الذهن أو ما في الخارج، لأن زيدًا علم شخص، وهو موضوع لما في الخارج قطعًا، فزيد أمر خارجي، وقيامه المخبر به صفته، وصفته تابعة له، فهي خارجية، وحكمك بذلك أمر ذهني، ومدلول اللفظ حكمك، وهو يفيد حكمك مطابقة، ويفيد قيامه الخارجي التزامًا.