الصفحة 49 من 76

ليس من قبيل الأداء) لو اقتصر عليه لحملناه على ادعاء التواتر في المد والإِمالة، وقلنا: المد والإِمالة غير ما هو من قبيلهما، والذي من قبيلهما هو ذاك الاختلاف في قدر المد، وفي قدر ما تنحى به الإِمالة.

ولكنه قال: (كالمد والإِمالة) فصرح بأن المراد أصل المد والإِمالة، فلا يمكن رده إلى ما قررناه إلاّ َبعسر وعناية بكلامه، بأن نقول: (أراد بالمد كيفيه المد، وكذا بالإِمالة) . ثم يعكر على ذلك إقرانه تخفيف الهمز؛ فعدلنا عن ذلك، وزدنا لفظة قيل وكلام أبي شامة، فهذا تمام جواب السؤال الأول.

القراءة الشاذة كخبر الآحاد في العمل:

وأما قولكم: (كيف يجري الشاذ مجرى الآحاد مع كونه لا يقرأ به؟(فعجيب، فإنا نجريه مجرى الآحاد فنعمل به فيما يعمل بخبر الآحاد ولا نقرأ به) لأن الآحاد لا يثبت قرآنا، وهذا واضح ومقرر في (شرح المختصر) .

القراءات الثلاث متواترة أيضًا:

(وأما كوننا لم نذكر العشر بدل السبع مع ادعائنا تواترها، فلأن السبع لم يختلف في تواترها، فذكرنا أولًا موضع الإِجماع، ثم عطفنا عليه موضع الخلاف على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين. وهي- أعني: القراءات الثلاث- قراءة يعقوب وخلف، وأبي جعفر بن القعقاع، لا تخالف السبع) .

سمعت الشيخ الإِمام رحمه الله يشدد النكير على بعض القضاة، وقد بلغه عنه أنه منع من القراءة بها، وقال: ما أجهله؟ واستأذنه بعض أصحابنا مرة في إقراء السبع، فقال: أذنت لك أن تقرئ العشر.

(واعلم أن خلفًا وهو العاشر من القراء، لا قراءة له ينفرد بها عن التسعة، وإنما قراءته ملفقة من قراءات البقية، فله في كل حرف موافق منهم، واجتمعت له هيئة اجتماعية ليست لواحد منهم، فمن ثم جعلت له قراءة تخصه) .

التقرير على الفعل دليل الجواز:

ومنها: على قولنا في مسألة التقرير وسكوته صلى الله عليه وسلم بلا سبب ولو غير مستبشر على الفعل (مطلقًا، وقيل: إلاَّ فعل من يغريه الإِنكار، وقيل: إلاَّ الكافر ولو منافقًا، وقيل: إلاَّ الكافر غير المنافق، دليل الجواز للفاعل وكذا لغيره) ، خلافًا للقاضي. انتهى.

قيل: ما معنى قولكم: (بلا سبب .... إلى آخره) ؟ فقلت: هذه المسألة من فروع مسألة العصمة، فإذا ثبتت عصمته صلى الله عليه وسلم تفرع عن ذلك أنه لا يقر أحدًا على باطل.

السكوت إما أن يكون لسبب أو لغير سبب:

وأما مسألة السكوت. فنقول: السكوت، إما أن يكون لسبب، وذلك بأن يكون قد تقدم النهي عنه ومعرفة حكمه، ومثل لذلك بمضي الكافر إلى الكنيسة، ونحن وإن نازعنا في صحة هذا المثال في (شرح المختصر) ، فلم ننازع في حكم المسألة الممثل لها، أو بأن يكون سببه أن الإِنكار قد علم أنه لا يفيد في الفاعل على خلاف في هذا القسم ذكرناه في الشرح، أو بأن يكون سببه استجلاب خاطر الفاعل وتأليفه ليكون أسرع في إجابته إلى دعوة الإسلام ونحو ذلك يكثر. وإما أن يكون لا لسبب من هذه الأسباب، فحينئذٍ إما أن يسكت مستبشرًا بالفعل مسرورًا به، أو يسكت ولكن غير مستبشر. ولا بدَّ مع ذلك من انتفاء قرائن مقابل الاستبشار، من الغم به، وإظهار كراهته، فإن ذلك ليس سكوتًا مجردًا، بل معه إنكار مستفاد من القرائن، ولا حديث فيه. فإن سكت غير مستبشر على فعل فعله بعض الناس، دل سكوته على جواز ذلك الفعل وإلاَّ يلزم تقريره على الباطل، وقد ثبتت عصمته عنه صلى الله عليه وسلم. وهل يكون دالًا على الجواز للفاعل فقط لأنا إنما اكتسبنا الجواز من مسألة العصمة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت