الصفحة 50 من 76

والحل للفاعل كافٍ في قيام السبب المقتضي للسكوت؟ أو يدل على الجواز مطلقًا، للفاعل وغيره؟ ذهب القاضي أبو بكر إلى الأول. والصحيح عندي الثاني، وبه قال إمام الحرمين، لأن حكمه على الواحد، حكمه على الجماعة، ولأن في السكوت عن الفاعل إغراء لغيره، ولأن الأصل عدم تفاوت المكلفين.

وكل هذا في السكوت مع عدم الاستبشار، فإن كان مع السكوت استبشار فأوضح في الدلالة على الجواز.

ثم هل هذا في كل فاعل، فلا يفترق الحال بين فاعل وفاعل، أو في بعض الفاعلين؟ فكما افترقت الأفعال بين ما تقدم الإنكار فيه ونحوه، وما ليس كذلك يفترق الفاعلون؟ الحق الأول. وقيل: بالثاني. واختلف قائلوه.

فمن قائل: هذا إذا لم يكن الفاعل ممن علم النبي صلى الله عليه وسلم زيادته في التمرد والعتو، وأن الإنكار إنما يزيده إغراء على الفعل، استنكافًا وطغيانًا، أما إذا كان الفاعل من هذا القبيل فلا يكون السكوت عليه دليلًا على الجواز أصلًا.

ومن قائل: هذا إذا لم يكن الفاعل كافرًا، أما إذا كان كافرًا فلا يدل السكوت على الجواز وإنما ذلك لأن الكفار معلوم أنه لا يمتثل، فإنه إذا لم يمتثل أعظم الأمرين وهو الإيمان فأن لا ينقاد إلى أهونهما أولى وأحرى. وسواء في ذلك الكافر المستتر بكفره، وهو المنافق، والمجاهر بكفره.

ومن قائل: هذا إذا لم يكن الفاعل كافرًا غير منافق للمعنى المذكور. أما المنافق فلأنه لانقياده في الظاهر يمكن الإنكار عليه، فيكون السكوت عن الإنكار عليه دليلًا على الجواز، إذ لا مانع من الإنكار.

وقد نقلنا في (شرح المختصر) هذه الأقوال عن قائليها وبسطنا القول فيها قليلًا.

وقولنا (على الفعل) في (جمع الجوامع) ، متعلق بسكوته وقولنا: (دليل الجواز خبر سكوته) ، وتقدير الكلام: وسكوته صلى الله عليه وسلم عند صدور فعل من فاعل ما ولو كان في حالة سكوته غير مستبشر بالفعل على كل فاعل، سواء أكان فعل من لا تنفع فيه الموعظة، أم كان فعل من تزيده الموعظة إغراء، أم لم يكن واحدًا منهما.

وقيل: بل المسألة مقصورة على سكوته على فعل من لا يغريه الإنكار. وقيل: بل على من لا يفيد فيه، سواء أغراه أو لا كالكافر من متظاهر أو مستتر وهو المنافق، وقيل: بل على من لا يفيد فيه ظاهرًا، وهو الكافر المتظاهر دون المستتر دليل الجواز، وهذا هو خبر المبتدأ الذي هو سكوته. ودلالته قائمة على الجواز للفاعل، وكذا لغير الفاعل، خلافًا للقاضي في غير الفاعل.

التخصيص بالمنفصل:

ومنها على قولنا في التخصيص بالمنفصل (وبفعله صلى الله عليه وسلم وتقريره في الأصح) انتهى. قيل: من نازع أن فعله صلى الله عليه وسلم تخصيص؟ حتى تشيروا إلى الخلاف بقولكم (في الأصح) ؟ فقلت: الكرخي أبو الحسن من الحنفية، وقد حكيته عنه في (شرح المختصر) .

قيل: فمسألة التقرير المذكورة هنا معادة في أول كتاب السنة، حيث قلتم: (وسكوته عليه الصلاة والسلام بلا سبب إلى آخره) .

فقلت: اعلم أن التقرير تفعيل من الإقرار؛ تقول: أقر يقر غيره تقريرًا. ولا خفاء في أن التقرير فعل فمن أقر غيره فقد فعل التقرير. وهل السكوت عند فعل الغير تقرير أو لا؟ هذا محل نظر المسألة المذكورة في باب السنة. فالبحث هناك عن أن السكوت هل هو تقرير؟ وهنا عن أن التقرير هل هو تخصيص؟ فهما مسألتان. فقيل:

فأين قول ابن الحاجب في مسألة التخصيص بالتقرير: (فإن تبين معنى حمل عليه موافقة) إلى آخره؟ فإنها مسألة لم تذكروها في (جمع الجوامع) الذي تدعون أنه جمع فأوعى!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت